يونيو 24, 2026
أخبار لبنان الرئيسية مقالات خاصة

الشرع سيدخل إلى لبنان

الشرع سيدخل إلى لبنان

كتب بودوان عبدالنور
يثير الحديث المتزايد عن احتمال دخول قوات الرئيس السوري أحمد الشرع إلى لبنان انقساماً واضحاً بين اللبنانيين، ليس فقط حول إمكانية حدوث هذا السيناريو، بل أيضاً حول تفسير أسبابه ودوافعه ونتائجه المحتملة. ويمكن رصد أربع مقاربات مختلفة لهذا الموضوع، تعكس في جوهرها الانقسامات السياسية والمذهبية والاستراتيجية التي يعيشها لبنان والمنطقة.
الفئة الأولى هي جمهور المحور وأبواقه السياسية والإعلامية. بالنسبة إلى هؤلاء، يتحول الشرع إلى فزاعة جديدة تُستخدم لتبرير استمرار احتفاظ الميليشيا بسلاحها. فبعدما تهاوت حجة حماية الشيعة من الاعتداءات الإسرائيلية، يجري البحث عن عدو جديد متربص بالطائفة يمكن توظيفه لإعادة إنتاج السردية نفسها. مرة يكون هذا العدو سنياً، ومرة مسيحياً، واليوم يتم تقديم الشرع بوصفه الخطر الداهم الذي يستدعي بقاء السلاح خارج إطار الدولة.
في المقابل، هناك فئة ثانية تنظر إلى الشرع من زاوية مذهبية معاكسة. وهي بيئات سنية واسعة ترى فيه قوة سنية صاعدة قادرة على إعادة التوازن في مواجهة ما تعتبره هيمنة للدولة العميقة المرتبطة بالمحور الإيراني. يجمع خطاب هذه الفئة بين شعور بالمظلومية التاريخية وبين إحساس بالانتصار المعنوي. ومن هنا لا يُنظر إلى أي تدخل محتمل باعتباره تهديداً، بل باعتباره دعماً سياسياً ومعنوياً للسنة في لبنان. ولا يبدو من المبالغة القول إن الشرع يتمتع اليوم بشعبية ملحوظة داخل البيئات السنية التقليدية، من عكار إلى طرابلس وصيدا وبعض المناطق العشائرية.
أما الفئة الثالثة فتضم خصوم حزب الله والمحور الإيراني. هؤلاء لا ينطلقون من اعتبارات مذهبية بقدر ما ينطلقون من عداء عميق للحزب ومشروعه الإقليمي. وقد دفعهم الخوف من النفوذ الإيراني إلى اعتبار أي قوة قادرة على إضعاف الحزب حليفاً محتملاً، مهما كانت المخاطر المترتبة على ذلك. في نظرهم، يشكل المشروع الخميني أصل الأزمات كلها، ما يجعلهم مستعدين لتأييد أي تدخل خارجي يحقق هدف إنهائه. غير أن هذا المنطق ينطوي على قصر نظر استراتيجي، إذ قد يؤدي إلى استبدال خطر بآخر، والانتقال من أزمة إلى أزمة أكبر منها.
لكن ثمة مقاربة رابعة مختلفة تماماً. أصحاب هذه القراءة لا يتعاملون مع احتمال دخول قوات الشرع إلى لبنان بوصفه فزاعة مذهبية ولا مشروع خلاص، بل يعتبرونه جزءاً من عملية إعادة تشكيل واسعة للمنطقة تقودها توازنات دولية وإقليمية جديدة. بالنسبة إليهم، لا تكمن المسألة في رغبات الشرع أو تطميناته الحالية، بل في طبيعة التحولات الجيوسياسية الجارية. فالدول الكبرى لا تتحرك وفق التصريحات، بل وفق المصالح وموازين القوى والفراغات التي تنشأ على الأرض.
ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن عدم وجود نية سورية للدخول إلى لبنان لا يحمل قيمة حاسمة. فالمسألة مرتبطة بتوقيت مناسب، وذريعة مناسبة، وإخراج سياسي وأمني مناسب. وما قد يبدو مستحيلاً اليوم قد يتحول إلى احتمال واقعي غداً إذا تبدلت الظروف الإقليمية والدولية. فلبنان وسوريا لا يزالان في بداية مرحلة انتقالية طويلة، والخرائط والتحالفات والتوازنات ما زالت شديدة الهشاشة وقابلة للتغيير.
في خلفية هذه القراءة يقف عامل أكبر وأعمق: مصير المشروع الإيراني في المنطقة. فالإمبراطوريات لا تسقط بهدوء، بل غالباً ما يرافق تراجعها صراع شرس على ملء الفراغ الذي تتركه. وإذا كان صعود النفوذ الإيراني خلال العقود الماضية قد أنتج حروباً وأزمات ودماراً واسعاً، فإن مرحلة تراجعه قد تكون أكثر خطورة وتعقيداً. ذلك أن القوى المحلية والإقليمية والدولية ستدخل في سباق لإعادة رسم النفوذ والحدود وموازين القوى.
لهذا السبب، يرى أصحاب هذه المقاربة أن المنطقة تقف على أعتاب زلزال جيوسياسي قد يكون الأكبر منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. لكن الفارق الجوهري أن العالم يومها كان يمتلك بديلاً جاهزاً وقادراً على إدارة المرحلة الانتقالية، تمثل بالغرب الموحد والمزدهر اقتصادياً. أما اليوم، فإن الغرب نفسه يعيش انقسامات داخلية وأزمات سياسية واقتصادية متفاقمة، ما يجعل أي عملية إعادة تشكيل للنظام الإقليمي أكثر تعقيداً وأقل قابلية للضبط.
في ضوء ذلك، لا تبدو المسألة مرتبطة بشخص أحمد الشرع وحده، بل بمسار تاريخي أوسع يعيد رسم الشرق الأوسط بأكمله. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت المنطقة ستتغير، بل كيف ستتغير، ومن سيدفع ثمن هذا التغيير، ومن سيكون قادراً على حماية دولته ومجتمعه وسط العاصفة المقبلة.