أصبحت هناك حاجة فعلية إلى إنشاء “بايلوت زون” على طريق المطار وفي بيروت الإدارية، بحيث يمسك الجيش اللبناني بالأرض وبالواقع الميداني والشارع، وتنحسر تدريجياً المشاهد الميليشيوية التي تتناقض مع مفهوم الدولة وسيادتها. فالدول لا تُقاس فقط بقراراتها ومؤسساتها، بل أيضاً بقدرتها على فرض حضورها الفعلي في المجال العام ومنع أي قوة أخرى من مصادرة هذا الحضور أو منافسته.
عاد حزب الله إلى تعليق صور القادة الإيرانيين على طريق مطار رفيق الحريري الدولي، في خطوة تتجاوز البعد الدعائي والسياسي إلى رسالة رمزية واضحة. فهذه الصور لا تعبّر فقط عن انتماء الحزب العميق إلى الجمهورية الإسلامية، بل تحاول أن توحي بأن هذا الانتماء يمثل لبنان كله، فيما هو موضع اعتراض من شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يتمسكون بهوية وطنية مستقلة وبقرار سيادي لبناني خالص.
السؤال المطروح اليوم: هل يشكل تعليق هذه الصور استدراجاً متعمداً لإشكال أمني أو سياسي يؤدي إلى الفوضى؟ أم أنه تحدٍّ مباشر للدولة يفرض عليها إزالة هذه المظاهر وتأكيد سلطتها على الأملاك العامة؟ في الحالتين، تبدو الدولة أمام اختبار لا يمكن تجاهله أو الهروب منه.
المشهد يعيد إلى الأذهان حقبة الوصاية السورية على لبنان. يومها لم تكتفِ الوصاية بإدارة القرار السياسي اللبناني، بل حرصت على تكريس حضورها الرمزي في كل مكان. وكانت صورة حافظ الأسد المعلّقة في قلب مطار بيروت الدولي، داخل حرم المطار نفسه، التعبير الأوضح عن تلك الوصاية، وعن منطق التحدي والاستفزاز وفرض الهيمنة على الفضاء العام اللبناني. لم تكن الصورة مجرد صورة، بل كانت إعلاناً يومياً بأن القرار الفعلي ليس في بيروت بل في دمشق.
واليوم، تبدو صور القادة الإيرانيين على طريق المطار وكأنها تستعيد المنطق نفسه بأدوات مختلفة. فالتساهل مع تكريس رموز النفوذ الخارجي في الواجهة الأولى للبنان يفتح الباب أمام مزيد من قضم صورة الدولة وهيبتها في لحظة يفترض أن تكون لحظة استعادة للسيادة لا تكريساً لمرجعيات بديلة عنها.
ويزداد الأمر خطورة مع ما تردد عن أفكار جرى تداولها في جنيف خلال المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، تقضي بأن تكون واشنطن وطهران مرجعيتين لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في الجنوب، بحيث يتم اللجوء إليهما عند أي اتهام بخرق الاتفاق من جانب إسرائيل أو حزب الله. إنها المعادلة نفسها بوجه مختلف: محاولة منح إيران موقعاً تفاوضياً باسم لبنان أو فوق لبنان.
حذارِ من تحويل لبنان إلى ورقة تفاوض دائمة في يد الآخرين، وحذارِ من التهاون مع كل ما يمسّ سيادة الدولة وصورتها وقرارها المستقل. فالدولة التي لا تحضر في شوارعها، لن تستطيع أن تحضر في مفاوضات ترسم مستقبلها.
أخبار لبنان
الرئيسية
الموقف اليوم_إيران على طريق المطار: هنا الحاجة الى المناطق التجريبية
- by arab files
- 0 Comments
- Less than a minute
- 3 ساعات ago
