في إنجاز علمي استثنائي، نجح باحثون في توثيق وتصوير ثعلب جزيرة كوزوميل القزم لأول مرة، وهو أحد أكثر فصائل الكلبيات ندرة وغموضاً. هذا الاكتشاف، الذي نُشر في دورية “نيوتروبيكال بايولوجي آند كونسرفيشن” (Neotropical Biology and Conservation)، يمثّل أول دليل بصري مباشر على بقاء هذا الحيوان حياً، بعدما ساد الاعتقاد لفترة طويلة باختفائه أو انقراضه.
يعيش هذا الثعلب النادر، المعروف علمياً باسم “يوروسايون إس بي” (Urocyon sp.)، حصراً في جزيرة كوزوميل المكسيكية الواقعة في البحر الكاريبي قبالة شبه جزيرة يوكاتان. ورغم قرابته الوراثية بالثعلب الرمادي المنتشر في أميركا الشمالية والوسطى، إلا أنه يتميز بحجمه الأصغر بكثير نتيجة العزلة الجغرافية الممتدة.

تفاصيل اكتشاف غير متوقع
بدأت القصة صبيحة 14 أيلول/سبتمبر 2023، حين توالت بلاغات عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن ظهور ثعلب شارد قرب أحد الطرق الساحلية في الجزيرة.
على إثر ذلك، قاد رافاييل تشاكون، مدير مؤسسة المتنزهات والمتاحف في كوزوميل، عملية بحث ميدانية عاجلة. وقرابة السادسة صباحاً، تمكن الفريق من العثور على ذكر بالغ عند الطريق الساحلي الشرقي. وهناك، التُقطت له أول صور علمية، قبل أن يُنقل للمراقبة لفترة وجيزة، ليُصار بعدها إلى إطلاقه في بيئة طبيعية محمية بعيداً من الطرقات لضمان سلامته.
لغز التطور والتقزم الجُزري
قبل هذا التوثيق، اقتصرت الأدلة على وجود هذا الثعلب على بقايا شبه متحجرة من حقبة حضارة المايا، إلى جانب مشاهدات نادرة جداً لم تُوثق علمياً منذ عام 2001.
ورغم غياب الدراسات الجينية الدقيقة والوصف التصنيفي الكامل حتى الآن، يعتبر العلماء هذا الثعلب نموذجاً كلاسيكياً لظاهرة “التقزم الجُزري”. فنتيجة العزلة الجغرافية وندرة الموارد، يتقلص حجم الأنواع مقارنة بأقاربها في البر الرئيسي. وبحسب التقديرات، لا يتجاوز حجم ثعلب كوزوميل 60 إلى 80% من حجم الثعلب الرمادي القاري، وهو تحول تطوري استغرق آلاف السنين ضمن عزلة الجزيرة، ويُقدر بين 5 آلاف و13 ألف سنة على الأقل.
مختبر طبيعي مهدد بالخطر
لا تقتصر هذه الظاهرة الفريدة على الثعلب فحسب؛ إذ تحتضن كوزوميل مجموعة نادرة من الثدييات القزمة، أبرزها الراكون القزم والكوتي القزم، ما يجعل الجزيرة مختبراً طبيعياً استثنائياً لدراسة التطور في البيئات المعزولة.
ورغم هذا الاكتشاف المبشر، لا يزال ثعلب كوزوميل مهدداً بشدة بالانقراض. وتعود أسباب هذه الحالة الحرجة إلى تدهور الموائل الطبيعية، التمدد العمراني المتسارع في جنوب الجزيرة، والنقص الحاد في البيانات حول أعداده الفعلية.
ويؤكد الباحثون أن غياب المسوحات المنهجية يصعّب تقييم وضعه الحقيقي، لكنه يُصنف علمياً ضمن الأنواع ذات الأولوية القصوى للحماية. ويبقى هذا التوثيق الأخير ليس مجرد إثبات لوجود حيوان، بل فرصة علمية حقيقية لإنقاذ ما تبقى من هذه السلالة النادرة.
