كتب هشام بوناصيف في نداء الوطن :
تفاصيل التفاهم بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإيران ليست واضحة تمامًا بعد. المسؤولون الأميركيّون يقولون إنّ إيران وافقت على تسليم مخزونها من اليوارنيوم المخصّب. الإيرانيّون إلى الساعة لم يعلّقوا على هذه المسألة. هل فعلا ستسلّم إيران اليورانيوم؟ هل ستوقف برنامجها النووي لمدّة عشرين عامًا كما تعهّد ترامب سابقًا؟ هل حصل منها على شروط أفضل ممّا كان باراك أوباما حصّله قبل سنوات زمن الاتفاقيّة الشهيرة مع الملالي؟ إلى الساعة أقلّه لا أجوبة دقيقة على هذه الأسئلة.
من اللحظة الأولى للحرب، خاضها دونالد ترامب تحت ضغطين: الأوّل داخلي متمثّل بتململ شعبي أميركي واسع من ارتفاع أسعار النفط، والتضخّم، علما أنّ ترامب كان انتخب على قاعدة مكافحة غلاء الأسعار، وتجنّب الحروب في الشرق الأوسط التي ينفر منها الأميركيّون بعد مغامراتهم في العراق وأفغانستان. وأمّا الضغط الثاني فتمثّل بإصرار الحلفاء العرب الخائفين من البطش الإيراني على وقف الحرب. والحال أنّ إيران التي تدرك حاجة دول كالسعوديّة والإمارات وقطر للاستقرار تعمّدت قصفها تحديدًا كي تتدخّل لدى ترامب لحثّه على وقف التصعيد. ولم يكن بدون معنى أنّ ترامب تراجع عن التهديد بضرب البنى التحتيّة في إيران يوم هدّدت بالردّ ضدّ محطّات تحلية المياه في السعوديّة والإمارات وقطر. ومع أنّ المخيال الشعبي العام في المنطقة يزيّن لنفسه أنّ إسرائيل وحدها صاحبة تأثير في الولايات المتّحدة بما يتعلّق بالشرق الأوسط، فالحقيقة أنّ لحلفاء أميركا العرب وزنهم أيضًا في واشنطن، خصوصًا عندما تنتقل دفّة الحكم للحزب الجمهوري.
ماذا حقّقت إيران من الحرب؟ قبل أيّ شيء آخر بقاء النظام، وهنا المعيار الوحيد للنجاح بالنسبة للملالي. بحرب العام ١٩٦٧، بعد أن خسرت سوريا الجولان، وأذلّت إسرائيل جيشها، قال نظام البعث آنذاك إنّه انتصر لمجرّد أنّه لم يسقط. ما كان صحيحًا للبعث آنذاك هو صحيح بدوره لملالي إيران، علما أنّه كذلك أيضا لأيّ نظام اوتوقراطي بأيّ مكان أو زمان: المهمّ هو البقاء. ولأن كانت بروباغاندا إيران أكثر ذكاء من بروباغاندا البعث – وهذا ليس صعبًا – فلا يعني أنّ الحسابات الحقيقيّة مختلفة بالجوهر. إيران النظام تظنّ أنّها انتصرت لمجرّد أنّها لم تسقط.
ولكنّ المسألة مختلفة بالنسبة للإيرانيّين العاديّين. فكّر بهذا الرقم على سبيل المثال: ذكرت مراكز أبحاث متخصّصة أنّ أكثر من ثلاثمئة ألف مواطن إيراني تقدمّوا بطلبات عمل في إيران بيوم واحد في 25 نيسان الماضي على خلفيّة أزمة البطالة الخانقة التي تعصف بطول البلاد وعرضها. انقطاع الانترنت ضرب قطاعات منتجة وولّادة لفرص العمل، وخسّر الاقتصاد الإيراني ملايين الدولارات يوميّا. فاذا ما أضفنا إلى ما سبق أرقام التضخّم الفلكيّة، وانهيار قيمة العملة، وخسائر ناجمة عن القصفين الأميركي والإسرائيلي تقدّر بثلاثمئة مليار دولار، فضلا طبعًا عن قتل الخامنئي والعشرات من المسؤولين الأمنيّين والسياسيّين والعلماء الكبار، تبدو النكبة الإيرانيّة أكبر بكثير من أن تخفيها بروباغاندا النظام عن “النصر”.
ولبنان في كلّ ذلك؟ مصادر النظام الإيراني تقول إنّه مشمول بالصفقة وإنّ الحرب في لبنان ستقف قريبا. وكان ترامب تباهى سابقًا أنّ نتنياهو سيمتثل لأيّ أمر يعطيه هو، أيّ ترامب، إيّاه. ولكن هنا أيضا يبدو الحكم على الأمور سابقًا لأوانه بانتظار المزيد من المعلومات. ووسط التغيّرات والضبابيّة التي تخيّم على المشهد، هناك معطيات تبقى ثابتة: ١) إسرائيل لا تمزح بكلّ ما يتعلّق بأمنها. ٢) إسرائيل لن تقبل أن يعود “حزب الله” إلى ما كان عليه قبل السابع من اكتوبر. ٣) ليس كلّ ما تريده الولايات المتّحدة من إسرائيل تحصل بالضرورة عليه، لاسيّما بالمسائل المتعلّقة بالأمن الاسرائيلي القومي. بمعنى آخر، وبشكل أوضح، حتّى لو صحّ أنّ نظام الملالي رفع عنه الضغط العسكري المباشر حاليّا، فهذا لا يعني حكمًا أنّ حمّام الدمّ سيتوقّف فورًا في لبنان.