في الوقت الذي يرفع فيه اللبنانيون، ولا سيما أبناء الجنوب، صوتهم مطالبين بوقف الحرب ووضع حدّ لمسلسل الدمار والنزوح والخسائر البشرية، يصرّ حزب الله على إبقاء لبنان رهينة مشروع عسكري مفتوح على كل الاحتمالات، غير آبه بما يدفعه الناس من أثمان باهظة على المستويات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية.
المفارقة الصارخة أن الحزب الذي يرفض أي تفاوض داخلي حول تسليم سلاحه أو وضع استراتيجية دفاعية تحت سلطة الدولة، يبارك في المقابل المفاوضات التي تخوضها إيران مع الولايات المتحدة والدول الغربية لحماية مصالحها وتخفيف العقوبات عنها. ما تعتبره طهران خطوة واقعية وبراغماتية، يقدّمه حزب الله في لبنان كخيانة أو استسلام إذا طُرح في الداخل اللبناني.
هذا التناقض يكشف حقيقة واضحة: السلاح لم يعد وسيلة دفاع، بل أصبح أداة لفرض أمر واقع سياسي وأمني يضع لبنان في مواجهة دائمة مع المجتمع الدولي ومع محيطه العربي.
وقد دفع لبنان أثمانًا هائلة نتيجة هذه السياسات. فمنذ اندلاع الحرب الأخيرة، قُدّرت الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة بما يتجاوز 15 مليار دولار، وفق تقديرات أولية صادرة عن مؤسسات مالية دولية. وتضرر أكثر من مئة ألف منزل ومنشأة، وتكبد القطاع الزراعي في الجنوب خسائر بمئات ملايين الدولارات، فيما شُلّت الحركة السياحية والاستثمارية وتراجعت الثقة الدولية بقدرة لبنان على النهوض.
أما الكلفة البشرية، فهي الأكثر إيلامًا: مئات القتلى وآلاف الجرحى وعشرات آلاف النازحين الذين وجدوا أنفسهم مجددًا أمام مشهد التهجير ذاته الذي عاشه اللبنانيون مرارًا خلال العقود الماضية.
أهالي الجنوب يريدون الحياة، لا تحويل قراهم إلى خطوط تماس. يريدون إعادة إعمار حقيقية تقوم على التنمية وفرص العمل والاستقرار، لا إعادة إنتاج دورة الخراب التي تبدأ بحرب وتنتهي بمزيد من الارتهان السياسي.
المشكلة أن الميليشيات تعيش على الحروب. ففي زمن السلم تتراجع مبررات وجودها، وتنكشف كلفة مشروعها على الدولة والمجتمع. لذلك يصبح استمرار التوتر ضرورة سياسية لها، حتى لو كان الثمن تدمير ما تبقّى من اقتصاد لبنان ومستقبل أبنائه.
لبنان لا يحتاج إلى انتصارات إعلامية ولا إلى شعارات تعبئة، بل إلى قرار وطني واضح يعيد للدولة وحدها حق امتلاك السلاح وقرار الحرب والسلم. عندها فقط يصبح الإعمار مشروعًا للحياة، لا مجرد ترميم مؤقت بين حرب وأخرى.