قبل أي حديث عن العقوبات أو التداعيات السياسية، كان الدكتور حارث سليمان قد قدّم عبر arab files قبل ثمانية أيام، قراءة شديدة اللهجة للمشهد الأمني في لبنان، ركّز فيها على ما اعتبره “اختراقاً عميقاً” طال مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، محذّراً من تآكل فعلي في بنية القرار داخل هذه الأجهزة.
في حديثه، أشار سليمان إلى أن لبنان يعيش ضمن “دولة موازية” تتغلغل في مفاصل الإدارة والأمن، بحيث لم تعد المؤسسات الرسمية – وفق تعبيره – تمتلك القدرة الكاملة على ضبط القرار السيادي. وذهب أبعد من ذلك حين تحدث عن خلل بنيوي داخل أجهزة يفترض أنها محصّنة، لافتاً إلى أن هذا الاختراق لا يقتصر على المستوى السياسي، بل يمتد إلى داخل البنية الأمنية نفسها.
وتوقف سليمان عند ما وصفه بـ”فضائح أمنية وإدارية”، من بينها ملف الجوازات اللبنانية، حيث أشار إلى منح وثائق رسمية لأشخاص غير مستحقين أو حتى بأسماء وهمية، معتبراً أن هذا النوع من الخروقات يعكس انهياراً في آليات الرقابة داخل مؤسسات مثل المديرية العامة للأمن العام. وفي قراءته، فإن هذه الوقائع لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من تداخل النفوذ السياسي مع القرار الأمني.
كما لفت إلى أن بعض الضباط والعناصر في الأجهزة الأمنية لم يعودوا يتحركون حصراً وفق التسلسل الإداري الرسمي، بل ضمن شبكة تأثيرات سياسية وأمنية متداخلة، ما يضعف – بحسب وصفه – مبدأ الدولة المركزية. وفي هذا السياق، أشار إلى أن قرارات حساسة باتت تتأثر بأطراف نافذة خارج الأطر المؤسسية التقليدية.
وفي ما يخص المؤسسة العسكرية، شدّد سليمان على أن التحدي لا يقتصر على الضغوط السياسية الخارجية، بل يتعداه إلى إرباك داخلي في منظومة القرار، محذّراً من انعكاسات هذا الواقع على قدرة الجيش اللبناني على أداء دوره التقليدي كضامن للاستقرار. ورأى أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى مزيد من التشظي داخل بنية الدولة.
أكثر ما شدّد عليه سليمان هو أن هذه الاختراقات لا تُقرأ كحوادث معزولة، بل كجزء من مسار طويل من إعادة تشكيل موازين القوة داخل الدولة اللبنانية، بحيث تصبح المؤسسات الرسمية غطاءً شكلياً لوقائع نفوذ فعلي خارجها.
وختم بالإشارة إلى أن أي معالجة جدية للأزمة في لبنان تبدأ من إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، وضبط عمل الأجهزة الأمنية والعسكرية وفق منطق مؤسساتي صارم، بعيداً عن أي تأثيرات سياسية أو فئوية، محذّراً من أن استمرار الوضع الحالي سيجعل من مسألة السيادة مجرد شعار بلا مضمون فعلي.