كتب فادي الشاماتي:
بالنيابة عن الاف الشباب الاحياء والاموات منهم، اعيد النشر
كيف حملت السلاح
شاء القدر أن أرى النور يوم الثاني والعشرين من تشرين الثاني عام 1964، في ذكرى الاستقلال، وقد طبع تاريخ ولادتي ذلك اليوم مسار حياتي وكان له الأثر الكبير في تكوين شخصيتي ومنحى تفكيري منذ طفولتي حتى اليوم.
كان لإحتفال يوم مولدي السنوي الوقع المميّز في عائلتي، والمتميّز عن باقي أخوتي وأترابي، فإضافت لأعتزاز والديّ بصِلَتهم الخاصة بالاستقلال من خلالي، فقد كان الاسم الذي سيمنح لي مسار جدل بينهما، فوالدي المصرّ ان أدعى بإسم ” لبنان” قابلته والدتي بتحفظ ناتج عن تأثيرات احداث عام 1958 وخوفها من مضايقات تأتي من فئة لم يكن لبنان الوطن قد تسرّب بعد الى قلبها وعقلها، فإختارت ” فادي ” إسماً لي.
في ظل هذه التأثيرات ترعرعت، هائماً بكل ما يمتّ الى لبنان بصِلَةٍ. كتابة، غناءً، فنّاً، شعراً، مبتعداً ما أمكن عن ألعاب الصبيان وشيطناتهم.
سحروني الرحابنة في مناجاتهم للوطن المثالي، ( أول صورة وضعتها على بندقيتي كانت للسيدة فيروز)، سعيد عقل، وديع الصافي، صباح وماجدة في رائعتها ” عم إحلمك يا حلم يا لبنان..” حتى وصل بي الأمر الى إنتظار بدء البث المباشر عند الساعة السادسة للقناة الخامسة ( الحازمية) لأقف منتصباً كالرمح أمام صورة العلم اللبناني والنشيد الوطني.. كل يوم وقبل بدء صلاة المساء.
حبّي للبنان دفعني منذ تمكنّي من الكتابة والقراءة الى أن أكتب الشعر له، والخطابات الرنانة ( ما زالت والدتي تحتفظ بتلك الاوراق) العابقة بمفردات البطولة والعنفوان والشهادة والأرز.. آه كم كتبت عن الأرز.. وفخر الدين وقدموس وعشتار ويوسف بك كرم ، وخرجيّتي كانت تذهب لشراء كتب التاريخ.. ومجلة الجندي اللبناني. ولا أنسى ذلك العدد من المجلة الذي تضمّن صور شهداء الجيش الذين سقطوا في عيتا الشعب على يد الجيش الاسرائيلي أوائل السبعينات يوم قصف الفدائيين بعض قرى الجليل.
وكم سمعت من التعليقات الصادرة عن الكبار والصغار في بيئتي المحافظة تتناقل أن ” هذا الصبي لن يكون مستقبله الا ضابطاً في الجيش.. سيكون له مستقبل واعد..ليت اولادنا ولدوا مثله في ذلك اليوم … بدأ هذا العالم العاطفي والفكري البدائي يتكوّن فيَّ يوماً بعد يوم، يغذّيه ما كنت أغرف منه ويشجّع نموّه الأهل والأقارب والجيران.
حتى العام 1973 على اثر الأحداث التي وقعت بين الجيش اللبناني والمسلحين الفلسطينيين، كانت الصدمة الاولى التي هزّت نقاء صورة الوطن الذي حلمت به وآمنت أنه لا يمكن أن يُمسّ أو يُخدَش. تأثراً بتلك الاحداث بادرت ورفاقي من اولاد الحي الى إقامت ثكنة على سطح السوق العتيق في البترون وأطلقنا عليها إسم ” ثكنة الدفاع الوطني”. كنّا حوالي 35 صبياً تولّيت قيادتهم ، وقلّدنا ما كنا نشاهده عن الجنود، مارش عسكري، حراسة، مناورات، وخلال إحدى تلك المناورات أحرقنا عن طريق الخطأ سهل القصب الواقع على شاطىء البترون الشمالي ولولا بعض الصيادين لكانت وقعت الكارثة.
في ذلك الحين لم يكن بإمكاننا الا ان نصدق ان جيشنا الوطني قادر على كل عدو تسول له نفسه الاعتداء على لبنان واللبنانيين، مثلنا نحن هذا الجيش الصغير الذي كانت له تجاربه مع صبيان من الطائفة السنية في مدرستنا والحي، عبروا عن تأييدهم للفدائيين فكانت هجماتنا الانتقامية عليهم كفيلة بعودتهم الى منازلهم مهشّمين وممزّقي الثياب، ونحن جيش ثكنة الدفاع الوطني نعود الى منازلنا مزهويين منتصرين، غير عابئين بشكاوى الأهل من الجهتين، ” نحن لسنا زعران بل جنود في خدمة الوطن نصدّ الأعداء” ونسير في اليوم التالي منتظمين على ايقاع إنشاد أغنية ” تحت الارز تجمّعنا وتوزّعنا نردّ العدوان.. ترعد رعد مدافعنا الله معنا ومعنا لبنان…”
أنجذبت الى كل ما يمتّ الى المظاهر العسكرية، وهذا ما جذبني للانضمام الى كشافة الارز المعروفة بميولها اليمينية والمقرّبة من حزب الكتائب، وكم كانت فرحتي عظيمة بعد فترة يوم رُقِيتُ الى رتبة عريف في إحتفال حول النار جرى في مخيم أقيم ببلدة بيت شلالا البترونية.
قراءات، كتب، خطابات، نشاطات، أحلام .. ضجّت بها طفولتي، وكلّها محورها لبنان، وكأن يوم مولدي يتابع رسم مسار حياتي، حتى انني في إحدى ليالي الشتاء من عام 1972 والعائلة مجتمعة والسؤال الى كل فرد فيها ، ماذا تحب أن تعمل بعد نيل الشهادة، كلٌّ اجاب بما يرغب وحين أتى دوري كان الجواب : ضابطاً في الجيش اللبناني، فطلب والدي رحمه الله أن أكتب تعهداً خطياً بذلك ليحتفظ به ففعلت وهذا نصّه: ” أقسم بالله العظيم أن لا أكون يوم أصير كبيراً الا ضابطاً في جيش بلادي لأدافع عنها وأتعهد بذلك امام والدي” للأسف يوم سقوط الشحار الغربي عام 1984 بعد تضعضع اللواء الرابع في الجيش بسبب خيانة بعض الضباط والجنود، قصدت والدي وطلبت منه الورقة التي ما زال يحتفظ بها، ناولني إياها فمزقتها أمامه وليتني ما فعلت.
وجاء الكابوس.. 13 نيسان 1975، لبنان يسقط تحت ايدي الغرباء، ينزف، والحلم يتداعى. حرائق، قتلى، قصف، مذابح، تهجير قرى بأكملها، غرباء يقتلون أبناء وطني. وكلام كثير يحكى عن وطني بغير ما حلمت وسمعت وتعلّمت: عبد الناصر، عروبة، فدائيين، إنعزاليين، أممية، شيوعية، طائفية، رمي في البحر…! أين فخر الدين ويوسف بك كرم، والأجداد الفنيقيين، والبطريرك الحويك.. وابطال لبنان؟
في شكا صدّ المغاوير محاولة تخريبية للفدائيين، وأخبار تتوارد بأن لواء اليرموك سيهاجم البترون، تجتمع الفاعليات، تقرر المقاومة، يُطلَق سراح السجناء، رجال يحملون البنادق.. تسارعت الأحداث لتتخطى قدرتي على فهم ما يجري، أحسست بالخوف والخوف وحده.
لم يكن بيتنا وخاصة والديّ بعيدان عن ما يجري، من ردات فعلهم كنّا نتأثر بالأحداث ونتفاعل معها، ويوم أقامت فعاليات البترون معسكراً لتدريب شبان البلدة، سمح لنا أبي أنا وأخي الذي يكبرني بسنتان بالانضمام اليه وقد إستمر لأربعة ايام أتيح لنا في نهايته أن نرمي 4 رصاصات من بندقية اميركية قديمة يعادل وزنها ثلث وزن اجسادنا. لم يأت لواء اليرموك وعُدنا الى المنزل بينما بقي والدي يقوم بمهام الحراسة مع رجال البلدة الآخرين الذين كانوا بإمرة ضبّاط من الجيش أذكر منهم المرحوم الملازم أول ميشال ابي فاضل والملازم أول نبيل حسون.
أوائل العام 1976 والحرب لا تنطفىء نارها لا بل الى إزدياد، لم أعد أجد نفسي راضياً بالتردد الى المراكز العسكرية المستحدثة وإقتصار مشاركتي على أمور كنت اراها تافهة لا تلبي رغبتي الجامحة في الدفاع عن لبنان. أذكر انني وبعد مشاهدتي لصور أحد المجازر وبكائي بكاءً مرّاً، حزمت أمري وقصدت والدتي ( وأنا أعلم بمدى تأثيرها على قرارات أبي) التي كانت تتشارك ونسوة الحي في صنع الخبز على فرن من الحطب استحدث لخَبْز كميات الطحين التي كانت توزّع بالحصص.
لن أنسى ذلك ما حييت.
جلست قبالتها متجهماً ومتوتراً حتى بادرتني بالسؤال ” ما بك؟” فأجبتها: سألتحق مع رفاقي في قسم الكتائب وأريد موافقتك ورضاكِ.
صعقها الجواب، ما زلت صغيراً لم تُكمل الثانية عشرة وهذه الأمور ليست لك.
ولماذا سمحتم لي أن اتدرّب؟
التدريب شيء، وأن تقاتل شيء آخر.
ولكن هذا سيمون وسمير أكبر منّي بسنة أو سنتين فقط وقد التحقوا.
هذا خيار أهلهم ما لنا ولهم، والدك يحمل السلاح وهذا كافٍ.
هل عمري هو مشكلتك أو خوفك من أن يحصل لي مكروه؟
الاثنان معاً.
كيف تقبلين ان يموت لا سمح الله أولاد الجيران دفاعاً عن لبنان ولا تقبلي ذلك على نفسك، أنت أنانية يا أمي.
هذا خيارهم، والدك وأخوالك يقومون بالواجب.
اذن أنتم ربيتموني على كذبة كبيرة.
ما هي (وظهر الانفعال على وجهها)
محبة لبنان، ويوم مولدي العظيم، والتضحية في سبيله، وتشجيعي أن اكون ضابطا في الجيش، أما كنت معرّضاً للموت في خياركم هذا لي؟
هذا في المستقبل
واعتبريه يحصل اليوم، ان موقفك الرافض هو تحطيم لكل احلامي ولكل ما زرعتموه في عقلي وعواطفي، من لم يكن مثلي حمل السلاح فكيف انا لا اقوم بذلك؟
لا تزال طفلاً وامامك الحياة كلها
واذا طار لبنان أي حياة هذه؟ اليوم يوجد خبز ربما غداً لا، أموت وأنا أحارب أفضل من الموت جوعاً ومن دون كرامة.
إحتدم النقاش ودام لأكثر من ساعتين، دموع، حجة من هنا تقارعها أخرى من هناك، كما شاركن النسوة على الفرن في دعم حججي وهنّ من رافقنني عن كثب منذ ولادتي حتى اللحظة التي أقف فيها امام والدتي، ويردّدن لها: يسواه ما يسوى ولاد الناس.. اللي الله كاتبه بيصير.. شو رح يزتّوا دغري ببوز المدفع؟ ممكن هني يرفضوه…
بعد معاناة، بادرت والدتي وبغصّة ودموعها تنهمر من عينيها، الى احتضاني قائلة: إذهب والعذراء تحميك، أنت ابنها قبل ما تكون ابني.
ما ان سمعت كلماتها هذه، حتى ركضت اسابق الريح الى بيت الكتائب حيث سبقوني رفاقي الى الالتحاق، وبعد مقابلة وجيزة قبلني المسؤول العسكري في القسم والحقني في المجموعة الثالثة بعد تجهيزي ببندقية سلافيا.
وبدأ مشوار لن ينتهي الا بعد 14 عاماً، وربما لا!!!!
تنذكر تا نتعلم منشان ما تعود تنعاد. ورح ضلّ حبّك يا لبنان