كتب حنا صالح:
لبنان وطن له أهله وسلطاته الشرعية وإنتهى الزمن الذي جعله ساحة مستباحة في خدمة الآخرين! لقد بالغت السلطة في قبول التهديد والتخوف من السيء فوصل البلد إلى الأسواء!
تأخرت السلطة عن إستخدام قوة الشرعية بوجه القوى اللاشرعية وقوى التدخل الخارجي. وقبل ذلك تلكأت السلطة في التنفيذ الجدي لقرارات تاريخية إتخذت بحصر السلاح بيد الدولة، تنفيذاً للطائف والدستور وللبيان الوزاري، لأنه ما من دولة طبيعية ترتضي قبول قوة عسكرية رديفة. والسلطة كانت تعلم وتدرك أن هناك ممانعة لتنفيذ قراراتها، وكانت على بينة أن الديكتاتورية الدينية في إيران، لن تتخلى بسهولة عن التنظيم الذي أنشأته للدفاع عن مصالحها وأهدافها في التوسع والهيمنة، لكنها – السلطة- كانت الأعلم بأنه ما من قوة في لبنان أكبر وأقوى من الشرعية. ومنذ بدء المفاوضات المباشرة ومطالبة طهران توازياً أن يشمل إتفاقها المرتقب مع واشنطن، وقف النار في لبنان، كانت إيران ترمي إلى إتفاقٍ يبقي السلاح خارج الدولة ويضع لبنان بين شدقي الإحتلال الإسرائيلي والسلاح الإيراني اللاشرعي. وبعبارة أخرى ما تريده طهران هو تأبيد السلاح بيد واجهتها “الفيلق اللبناني” في “فيلق القدس الإيراني”.. أما قضايا بحجم إحتلال الأرض والأسرى والتهجير والتدمير فكلها للإيراني خسائر جانبية!
ومن لحظة زج لبنان قسراً في حرب “إسناد” إيران والثأر للخامنئي، كان ينبغي للسلطة أن تذهب بعيداً في الإجراءات التي تحول دون بقاء لبنان ساحة لخدمة الحسابات الإيرانية والمفاوض الإيراني. فيوم الثاني من أذار، يوم أعلن مجلس الوزراء حظر العمل العسكري والأمني لحزب الله، أي نزع كل شرعية عنه، ثم إعلان رئيس الحكومة سلام أن “الحرس الثوري” وراء محاولة الإعتداء على قبرص، وأن أعداداً غير محددة من”المستشارين” الإيرانيين دخلوا لبنان بجوازات سفر مزورة، هم من يقود العمليات العسكرية بإسم وكيل نظام الملالي حزب الله .. فإن هذا الوضوح كان يتطلب على الأقل خطوة قراراً بسحب السفير اللبناني من طهران، والإصرار على طرد السفير الذي سحبت أوراق إعتماده. ربما كان ذلك قد وجه رسالة واضحة بأن السلطة اللبنانية وحدها هي المرجع الوحيد المسؤول عن لبنان وأرضه وشعبه!
أن يصل لبنان عبر مفاوضات مباشرة، صعبة وشاقة، إلى إتفاق، مهما قيل بشأنه فهو بالنهاية حصيلة بشكلٍ أم بآخر للهزيمة المروعة، النكبة اللبنانية، التي تسبب بها حزب الله ومشغليه في طهران..، لكنه يحمل تأكيداً أميركياً على حق لبنان ببسط سيادته على كامل ترابه الوطني، ما يحاصر أحلام العدو الإسرائيلي بإبقاء الإحتلال وإقامة حزام أمني، ويتم التوصل لإتفاق وقف للنار، أي وقف الهزيمة عند الحدود التي بلغتها ووقف الإستباحة واإبادة البشر والحجر، شرطه إلتزام حزب السلاح الإيراني بوقف النار وانسحاب المتبقي من عناصره إلى شمال الليطاني، (وهذا الأمر ثابت في القرار الدولي 1701، وبصم عليه الثنائي المذهبي في إتفاق بري-قاسم- هوكشتين – نتنياهو لوقف النار في 27 تشرين الثاني 2024)، ثم التوافق على “مناطق تجريبية” ينسحب منها جيش الإحتلال ويتسلمها الجيش اللبناني ليصبح المرجعية الوحيدة على الأرض، وهذا المشروع قابل للتوسع.. فيعلن “الحرس الثوري” رفض وقف النار، ثم يردد نعيم قاسم صدى الموقف الإيراني، أي إستمرار الحرب والقتل والإستباحة ومراكمة الخسائر الفلكية فقد طفح الكيل!
ما قاله رئيس الجمهورية من رفض وإدانة للتدخل الإيراني تأكيد على حق لا ينازع البلد عليه: “لبنان ليس بلدكم”! وما قاله لنعيم قاسم هو حق للشرعية وتأكيد لمسؤوليتها فهي المسؤولة عن اللبنانيين، لأن الشيخ نعيم “لا يمثل اللبنانيين”. وما ذهب إليه رئيس الحكومة ينبغي التوقف ملياً عنده. “ليست حربنا ولا تخاض من أجلنا” ، ومرفوض التعامل مع البلد كما لو أنه ورقة لتحسين شروط الآخرين في إيران: “لسنا ورقة على طاولة أحد والجنوب ليس جبهة إحتياطية لأحد”.. و”لسنا ميداناً مفتوحاً لحروب الآخرين”!
في هذا التوقيت ينبغي الإصرار على تنفيذ “المناطق التجريبية” وبعد دبين وبلاط ينبغي أن تكون الأولوية للنبطية ومحيطها كما لصور ومحيطها.. ووفق موازين القوى لا سبيل سوى هذه المفاوضات لأنها الأسرع والأقل تكلفة وفي رئيس الحكومة.. أما رئيس حركة أمل الذي يشغل موقع رئيس البرلمان الممنوع من مناقشة القضايا الوطنية والمصيرية، فجيد أنه غادر المنطقة الرمادية في رهاناته على نظام الملالي وتغطيته لرعونة حزب الله..حتى ليبدو أنه غافل عن واقع الإحتلال فذهب للإشتراط على نتنياهوالموجود في قلعة الشقيف(..) إنها الغربة والإنكار! فبري يبقى الشخصية السياسية الأكثر قلقاً من أن يُستعاد القرار إلى مكانه الصحيح داخل المؤسسات (مجلس الوزراء) وتُستعاد الدولة، فالتحول في موقع القرار، من صفقات يبرمها عدد من المتسلطين على الطوائف، إلى مركزه الفعلي داخل المؤسسات يرعبه لأنه بداية نهاية ميلشة الدولة.
وكلن يعني كلن، حزب السلاح الإيراني ومنظومة الفساد التي تساكنت مع الإحتلالات والسلاح اللاشرعي، وما تستثني حدن منن.
