عندما يتصاعد التوتر في الخليج أو البحر الأحمر أو شرق آسيا، تتجه الأنظار فوراً إلى المضائق البحرية. فهذه الممرات الضيقة لم تعد مجرد ظاهرة جغرافية، بل أصبحت أوراقاً استراتيجية تتحكم بالتجارة العالمية، وأسعار الطاقة، وحركة الأساطيل العسكرية. وبينما تتكرر التهديدات بإغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة في باب المندب، يبرز سؤال أساسي: هل يسمح القانون الدولي لأي دولة بإغلاق مضيق دولي؟
يضم العالم مئات المضائق البحرية، إلا أن أقل من ثلاثين منها تُعد ذات أهمية استراتيجية كبرى. ويأتي في مقدمتها مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، وباب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومضيق ملقا الذي يشكل الشريان التجاري بين آسيا وأوروبا، إضافة إلى مضيق جبل طارق، والبوسفور، والدردنيل، وبيرينغ، وماجلان. وتكفي أي أزمة في أحد هذه المضائق لإرباك الأسواق العالمية ورفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة.
لكن ما لا يعرفه كثيرون أن هذه المضائق لا تحكمها القوة العسكرية وحدها، بل تخضع لمنظومة قانونية دولية أرستها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تُعد المرجع الأساسي لتنظيم استخدام البحار والمحيطات وحقوق الدول الساحلية وواجباتها.
أهم ما جاءت به الاتفاقية هو مبدأ “المرور العابر”، الذي يمنح جميع السفن والطائرات حق العبور المتواصل والسريع عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، حتى لو كانت هذه المضائق تقع ضمن البحر الإقليمي لدولة أو أكثر. وبذلك، فإن سيادة الدولة الساحلية لا تمنحها حق إقفال المضيق أو منع الملاحة الدولية بصورة تعسفية، بل تلزمها بالحفاظ على انسياب حركة العبور، مع حقها في تنظيم الملاحة بما لا يعرقل هذا المبدأ.
لهذا السبب، تتحول التهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز أو باب المندب إلى أدوات ضغط سياسية وعسكرية أكثر منها خيارات قانونية قابلة للتنفيذ. فأي إغلاق فعلي لمضيق دولي ستكون له تداعيات تتجاوز أطراف النزاع، إذ يمس مصالح عشرات الدول، ويهدد سلاسل الإمداد العالمية، ويعرّض الدولة التي تقدم على هذه الخطوة لضغوط سياسية واقتصادية، وربما لتدخلات دولية تهدف إلى إعادة فتح الممر الملاحي.
وفي ظل التنافس المتصاعد بين القوى الكبرى، لم تعد المضائق مجرد خطوط على الخرائط، بل أصبحت مراكز ثقل في الأمن العالمي. فكل أزمة إقليمية تعيد التذكير بأن السيطرة على هذه الممرات لا تُحسم بالقوة وحدها، بل أيضاً بالقانون الدولي، الذي حاول منذ عام 1982 تحقيق توازن دقيق بين سيادة الدول الساحلية وحرية الملاحة، حفاظاً على استقرار الاقتصاد العالمي ومنع تحوّل البحار إلى ساحات إغلاق وحصار دائم.
الرئيسية
دولي
مقالات خاصة
خاص_المضائق البحرية.. كيف حسم قانون البحار الصراع على شرايين العالم؟
- by Mohammad Ahmad
- 0 Comments
- Less than a minute
- 7 ساعات ago
