تقف المنطقة مجدداً على عتبة تحول استراتيجي بالغ الحساسية، حيث تتشابك المسارات الدبلوماسية المعقدة مع تحركات عسكرية ميدانية بارزة على الأرض.
ففي الوقت الذي يتزايد فيه الحديث داخل الأوساط السياسية عن “مذكرة تفاهم” مؤقتة ترمي إلى تمديد وقف التصعيد وفتح قنوات التفاوض بين واشنطن وطهران، كشفت صور أقمار اصطناعية حديثة لمنشأة فوردو النووية عن تطورات ميدانية لافتة تعيد رسم ملامح المشهد الإقليمي.
تحصينات هندسية وسواتر ترابية مكثفة
تُظهر الصور الجوية المستحدثة أعمال إنشاء سواتر ترابية وحواجز هندسية كثيفة حول المداخل المؤدية إلى المجمع النووي المحصن. وتقرأ أوساط أمنية هذه الخطوة في سياق حذر إيراني متصاعد، يعكس شكوكاً حقيقية حول مدى جدية المسار الدبلوماسي مع الولايات المتحدة.
ويرى خبراء أن هذه التحصينات الجديدة، والتي تأتي في أعقاب تعرض المنشأة في وقت سابق لضربات جوية أميركية نُفذت بواسطة قنابل خارقة للتحصينات، تؤشر إلى تحول ملموس في العقيدة الدفاعية الإيرانية؛ حيث انتقل التركيز من الاقتصار على صد الهجمات الجوية والصاروخية، إلى الاستعداد والتحضير لسيناريوهات اقتحام بري محتمل قد تنفذه قوات خاصة بهدف ضرب البنية النووية وتدميرها من الداخل.
أهداف التعديلات الميدانية بمحيط المنشأة
وبحسب تحليلات الخبراء، فإن عملية إغلاق الطرق الوعرة والممرات الجبلية المحيطة بموقع فوردو عبر السواتر الترابية تستهدف تحقيق عدة نقاط ميدانية:
- إعاقة تحركات الآليات العسكرية وقوات الإنزال البري.
- تأخير أي تقدم محتمل ومباشر نحو البوابات والمداخل الحساسة للموقع.
- منح قوات الحرس الثوري هامشاً زمنياً أوسع لتفعيل الإجراءات الدفاعية، أو نقل المواد الحساسة إلى نقاط أكثر عمقاً داخل الجبل.
ويربط مراقبون هذه التجهيزات الميدانية بحالة عدم الثقة المتزايدة من قِبل إيران تجاه نوايا واشنطن في ملف المفاوضات، معتبرين أن التحركات على الأرض تمزج بين التحصين العسكري البحت والرسائل السياسية الموجهة.
سيناريو العمليات البرية ومحدودية القصف الجوي
في المقابل، نقل التقرير عن خبير عسكري أن معطيات الأقمار الاصطناعية تظهر محدودية فاعلية الضربات الجوية في تدمير البنية العميقة لأجهزة الطرد المركزي المستقرة في باطن المنشأة، حتى في حال استخدام قاذفات استراتيجية وقنابل ثقيلة خارقة للدروع.
وبناءً على هذا التقييم، يرى الخبير أن السيناريو الأكثر تأثيراً يتمثل في إمكانية تنفيذ عملية برية نوعية تعتمد على التسلل أو الإنزال المباشر لاستهداف الأنفاق والممرات من الداخل، وهو ما يجعل من التحصينات الأرضية المستحدثة عاملاً حاسماً في إحباط هذا الاحتمال ورفع التكلفة البشرية والعسكرية لأي عملية محتملة.
تعزيز أوراق التفاوض ومخاطر التشدد
من زاوية أخرى، يرى مراقبون أن هذه الخطوات العسكرية الإيرانية ترتبط بمحاولات طهران تعزيز موقفها على طاولة المفاوضات، عبر إظهار جهوزية قتالية عالية أمام المجتمع الدولي، بغية رفع سقف شروطها في أي تسوية مرتقبة، لا سيما في الملفات المتعلقة بالأصول المالية المجمدة والملف النفطي.
إلا أن هؤلاء المراقبين يحذرون من ارتدادات عكسية لهذا النهج، خاصة إذا فُسرت هذه التحركات في واشنطن على أنها إصرار إيراني مستمر على تطوير البرنامج النووي، مما قد يدفع بصناع القرار في الولايات المتحدة نحو تبني مواقف أكثر تشدداً.
بين مساعي الدبلوماسية المعلقة والتحصينات الميدانية المتصاعدة، يتشكل المشهد الراهن بين واشنطن وطهران كصراع مزدوج المسار؛ حيث تُناقش التفاهمات خلف طاولة المفاوضات، بينما تُخطط القوى على الأرض لأسوأ السيناريوهات العسكرية. وتبقى منشأة فوردو، بتحصيناتها المستحدثة، مؤشراً واضحاً على هشاشة التهدئة الحالية وقابلية الموقف للانفجار في أي لحظة في حال فشل الحلول الدبلوماسية.
