أغسطس 4, 2026
أخبار لبنان الرئيسية مقالات خاصة

هل العدالة ممنوعة؟

هل العدالة ممنوعة؟

كتب حنا صالح

اليوم 4 آب/أغسطس، إنقضت 6 سنوات على التفجير المروع الذي دمّر المرفأ ورمّد قلب بيروت وخلّف إبادة جماعية. أبرز الحدث العدالة كمطلب للعاصمة واهلها. لكن رغم قرارات الإدعاء، ما من مسؤول طلب سماح الناس، ولتاريخه لم يصدر القرار الإتهامي ولم يحاسب أحد. إستمرواعلى كراسيهم، سابقاً إطمأنوا إلى تغول دويلة “حزب الله” التي هددت ب”قبع” قاضي التحقيق العدلي طارق البيطار(..)، وحتى اليوم بقيت الأسئلة بدون أجوبة عن تأخر إعلان القرار الإتهامي. لكن ما حُفِر في ذاكرة المواطنين أنهم تركوا لمصيرهم ذلك المساء المشؤوم…… الضحايا في المرفأ وفي الطرقات والبيوت، الجرحى ينزفون الدمار في كل مكان، وبيروت لم تعد بيروت. لكن من تحت الرماد خرج شبان وشابات، إندفعوا من كل جهات لبنان، للملمة جراح العاصمة وأهلها.

كل المسار الذي سبق التفجير، الذي صُنِّف كأكبر تفجير غير نووي، يؤكد أنه كان ممكناً حماية بيروت من تجرع هذا الكأس. ففي 28 أيار/مايو 2020 ختم الرائد جوزيف النداف تقريره عن “نيترات الأمونيوم” المخزنة في العنبر رقم 12. رفع سماعة الهاتف وخابر المدعي العام، وأبلغه حصيلة ما توصل إليه محذراً من انه إذا إشتعلت هذه المواد فستتسبب بتفجير يدمر المرفأ! وفي الأول من أيار/يونيو، أحال نسخة خطية من تقريره إلى قيادته في جهاز أمن الدولة، وإلى المدعي العام غسان عويدات، وتسلم التقرير رئيس الحكومة حسان دياب ورئيس الجمهورية ميشال عون وغيرهما من كبار المسؤولين!

قبل تقرير الرائد النداف ب3 سنوات، قتل العقيد جوزيف سكاف، ضابط متقاعد في الجمارك، صدف أنه بموجب مهمته إكتشف مسبقاً إحتمال الكارثة فرفع بتاريخ 21 شباط/فبراير، برقية إلى “مصلحة التدقيق والبحث عن التهريب”، يطالب فيها “إبعاد الباخرة ( روسوس) عن الرصيف رقم 11، وإخراجها من المياه اللبنانية”، لأن حمولتها “نيترات أمونيوم شديد الخطورة”. أهملت البرقية كما أهمل تقرير الرائد النداف. لكن تبياناً للوقائع أمر المدعي العام بتأمين العنبر و”تعيين أمين مستودع وحماية الأبواب والجدران”!

مباشرة بعد وقوع الكارثة سارعت منظومة “النيترات” إلى تقاذف المسؤولية. رئيس الجمهورية آنذاك الذي “كان يعلم”، ماذا في العنبر “رقم 12″، تذرع بأن لا صلاحيات عنده للتصرف. أما رئيس الحكومة الذي أكد أنه تمّ ثنيه عن زيارة المرفأ بعد تسلمه التقرير، إمتنع بعد إتصال من وفيق صفا المسؤول في “حزب الله”، عن الإدلاء بمعلوماته أمام المحقق العدلي!

الإجراءات التي إتخذها المحقق العدلي أرعبتهم، فتنبهوا متأخرين إلى قوله يوم تسلم المهمة: “لن يوقفني شيء..لن أترك التحقيق ينحرف”. فعندما تأكدت لديه معطيات عمن تسلم تقريراً خطياً، يبرز المخاطر على العاصمة وأهلها، وامتنع عن تحمل مسؤوليته، إدعى على رئيس الحكومة حسان دياب والوزراء نهاد المشنوق وعلي حسن خليل وغازي زعيتر ويوسف فنيانوس إلى اللواءين طوني صليبا، وعباس ابراهيم والعشرات غيرهم، وترك الإدعاء مفتوحاً لإستدعاءاتٍ لاحقة. ولأول مرة بتاريخ القضاء لم يُطلب الإستماع إلى هذه الشخصيات كشهود، بل إدّعيَ عليهم بجناية “القصد الإحتمالي” بالقتل، وجنحة الإهمال. و”القصد الإحتمالي” عالجته المادة 189 من قانون العقوبات، عندما قالت أنه على المسؤول المعني توقع جريمة قد تنشأ عن هذا الفعل، فقبل بالمخاطرة وتعامى عنها، وأغفل مسؤوليته مما أدى إلى النتيجة الجرمية.

تحت قيادة “حزب الله” إستهدف المحقق والتحقيق. إحتمت المنظومة بنظام “الحصانات” و”قانون الإفلات من العقاب”. وبقي السؤال: من هي هذه السلطة العليا التي دفعت مسؤولين سياسيين وأمنيين إلى قبول هذه المخاطرة، بترك وسادة موت تحت رأس العاصمة؟ لتبرز معطيات أكدت ما كشفه السياسي وليد جنبلاط من أن شحنة الموت “عائدة للنظام السوري، شُحنت إلى بيروت لأن طريق طرطوس دمشق كانت آنذاك مقطوعة”، وهي لزوم براميل الموت لقتل السوريين(..)، والفضيحة أنها كانت تنقل بتواطؤ أمني مع “حزب الله”، فتعاملوا مع الأمر وكأن السوريين شعب زائد، وفوجئوا بأن الكمية المتبقية تفجرت باللبنانيين.

من تفجير المرفأ وقبله الإنهيار المالي المبرج إلى نكبة الهزيمة وإستدراج الإحتلال المتأتي عن السلاح اللاشرعي، تكمن الكارثة في غياب العدالة مع تسلط منظومة الفساد. لذا الخوف حقيقي بأن تبقى العدالة ممنوعة ما دام هناك خلل وطني بموازين القوى الداخلية، فيتكرر تخيير اللبنانيين بين اللاعدالة والحرب الأهلية. وبعد 6 سنوات على تفجير المرفأ مسؤولية السلطة التنفيذية كبيرة في الحث على إعلان القرار الإتهامي وحمايته، لأن ذلك يفتح باب المحاسبة وبدء طي صفحة السلطة العميقة التي غطت الكبائر.