أغسطس 2, 2026
الرئيسية مقالات خاصة

من المرفأ إلى الجنوب… هل انتهى انفجار الرابع من آب؟

من المرفأ إلى الجنوب… هل انتهى انفجار الرابع من آب؟

كتب الأستاذ رمزي ابو خالد:

لم يكن الرابع من آب 2020 مجرد انفجار دمّر نصف العاصمة اللبنانية، بل كان لحظة كشفت انهيار مفهوم الدولة نفسها. أكثر من 220 ضحية، آلاف الجرحى، مدينة مدمرة، وتحقيق لا يزال حتى اليوم يصطدم بجدران السياسة والنفوذ.

وبعد ست سنوات على الكارثة، يعود اسم نيترات الأمونيوم إلى الواجهة، وهذه المرة من جنوب لبنان، بعد إعلان “اليونيفيل” ضبط كميات من هذه المواد شديدة الانفجار. المشهد يعيد إلى الأذهان السؤال الذي لم يغادر اللبنانيين منذ انفجار المرفأ: كيف تتحول مادة بهذه الخطورة إلى واقع متكرر داخل بلد يفترض أن تكون كل أراضيه ومرافقه تحت سلطة الدولة؟

دولة أم سلطتان؟

جوهر الأزمة اللبنانية لا يكمن في النيترات نفسها، بل في البيئة التي سمحت بوجودها.

فعلى مدى سنوات، ترسخ واقع سياسي وأمني جعل من حزب الله قوة تمتلك قرارًا عسكريًا وأمنيًا مستقلًا عن مؤسسات الدولة، حتى بات لبنان يعيش عمليًا نموذج “الدولة داخل الدولة”. ففي ظل هذا الواقع، تراجعت قدرة المؤسسات الرسمية على فرض رقابتها الكاملة على الحدود والمعابر والمناطق الحساسة، وتحول مفهوم السيادة إلى عنوان نظري أكثر منه ممارسة فعلية.

ولهذا يرى كثير من المنتقدين أن أي حديث عن تخزين مواد متفجرة أو نشاطات أمنية خارج إشراف الدولة لا يمكن فصله عن هذا الواقع الذي فرضه السلاح الخارج عن سلطة المؤسسات.

من العنبر 12 إلى الجنوب… الأسئلة نفسها

وصلت سفينة “روسوس” إلى مرفأ بيروت عام 2013 محملة بـ2750 طنًا من نيترات الأمونيوم، وبقيت الشحنة داخل العنبر رقم 12 لسنوات رغم عشرات التحذيرات الرسمية.

واليوم، يعيد العثور على مركبات نيترات الأمونيوم في الجنوب طرح الأسئلة ذاتها: كيف دخلت هذه المواد؟ ومن خزّنها؟ ومن حال دون اكتشافها في وقت سابق؟ ولماذا تتكرر ظاهرة وجود مواد شديدة الانفجار خارج الرقابة الكاملة للدولة؟

قد لا تكون هذه الأسئلة قد حُسمت قضائيًا بعد، لكنها، بالنسبة لكثير من اللبنانيين، تعكس أزمة واحدة عنوانها غياب الدولة الكاملة وسيطرة منطق القوة على منطق المؤسسات.

العدالة المعطلة

لم تتوقف المأساة عند لحظة الانفجار، بل امتدت إلى التحقيق العدلي الذي تحول إلى نموذج لتعطيل العدالة.

فالتحقيق واجه دعاوى الرد، وتعليق الإجراءات، وضغوطًا سياسية متواصلة، فيما وجّه حزب الله انتقادات حادة للمحقق العدلي القاضي طارق البيطار واعترض على مسار التحقيق. وفي المقابل، اعتبر أهالي الضحايا ومنظمات حقوقية أن هذه العراقيل ساهمت في تأخير كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.

وبين التعطيل القضائي والانقسام السياسي، بقيت العدالة معلقة، وبقي اللبنانيون بلا أجوبة نهائية عن واحدة من أكبر الجرائم التي عرفها وطنهم.

السيادة ليست شعارًا

تكشف الوقائع المتلاحقة، من انفجار المرفأ إلى ما يُعلن عنه تباعًا من ضبط مواد متفجرة في مناطق مختلفة، أن أزمة لبنان ليست أمنية فحسب، بل هي أزمة سيادة ودولة.

فلا يمكن بناء دولة حديثة بينما يحتكر طرف واحد قرار الحرب والسلم، أو يمتلك بنية أمنية وعسكرية موازية للمؤسسات الشرعية. ولا يمكن تحقيق العدالة ما دامت التحقيقات تصطدم بالحصانات السياسية والانقسامات الداخلية.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن غياب الدولة القوية لا ينتج سوى مزيد من الكوارث، وأن حماية اللبنانيين تبدأ بقيام سلطة واحدة، وسلاح واحد، وقضاء مستقل لا يخضع إلا للقانون.

ويبقى السؤال الذي ينتظر اللبنانيون الإجابة عنه: هل تكون مأساة المرفأ آخر الكوارث، أم أن استمرار واقع “الدولة داخل الدولة” سيبقي البلاد رهينة الأخطار نفسها، مهما تغيّرت الأمكنة والعناوين؟