تشكل الخطوة التي أقدم عليها مصرف لبنان بإحالة ملفات من داخل المصرف المركزي إلى القضاء تطوراً بالغ الأهمية، لأنها تستند، وفق المعلومات المتوافرة، إلى نتائج تدقيق وتحقيقات تناولت شبهات اختلاسات مالية، لا إلى تقييم سياسات نقدية أو خيارات إدارية قد تكون موضع خلاف أو اجتهاد. وهذه نقطة جوهرية تميّز بين المسؤولية الجزائية المحتملة وبين النقاش حول السياسات المالية والاقتصادية.
فالملفات المحالة تتعلق، بحسب المعطيات، بأسماء من بينها رياض سلامة وعلاء الخواجة ومحمد الحريري وآخرون، وترتكز إلى أرقام ووثائق وقرائن تشير إلى شبهات اختلاس مبالغ مالية ضخمة. وتشير المعلومات إلى أن قيمة الأموال موضوع التحقيق قد تبلغ مئات ملايين الدولارات، وربما تتجاوز ذلك بكثير، ما يجعل القضية من أخطر الملفات المالية التي شهدها لبنان.
وفي هذا السياق، تؤكد المعطيات أن مصرف لبنان قام بما يفرضه عليه القانون، فتقدم بالشكوى مدعمة بالمستندات والقرائن والأدلة، لينتقل الملف إلى عهدة القضاء المختص، الذي باشر دوره وفق الأصول القانونية. فقد جرى استدعاء المعنيين إلى التحقيق، وعندما تخلف بعضهم عن المثول، صدرت مذكرات الجلب، ثم مذكرات البحث والتحري، في مسار قضائي يعكس جدية التعامل مع الملف.
كما تشير المعلومات إلى الجهد الذي يبذله المدعي العام التمييزي القاضي رامي عبد الله، وإلى الدور الذي اضطلعت به النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية سامرندا نصار من خلال الاستجوابات التي أجرتها، بما يعزز الثقة بأن التحقيقات تسير بمهنية واستقلالية، مع احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
وبذلك، يكون مصرف لبنان قد أدى واجبه في كشف الوقائع وإحالتها إلى القضاء، فيما تقع اليوم على عاتق السلطة القضائية مسؤولية استكمال التحقيقات، وجمع الأدلة، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت تورطه. وإذا أثبتت التحقيقات صحة الوقائع المنسوبة، فإن لبنان سيكون أمام واحدة من أكبر قضايا الاختلاس المالي في تاريخه، بما يفرض الوصول إلى الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، والعمل على استعادة الأموال العامة حيثما أمكن.
وتتجاوز أهمية هذا الملف حدود الملاحقات القضائية، إذ يشكل أيضاً اختباراً لقدرة الدولة على استعادة هيبة مؤسساتها. فمصرف لبنان، بوصفه المصرف المركزي والسلطة الناظمة للقطاع المصرفي، يسعى إلى ترسيخ مصداقيته وتعزيز الثقة به، فيما يبقى استمرار القضاء في أداء دوره باستقلالية وحزم الركيزة الأساسية لترسيخ سيادة القانون وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات اللبنانية.
