في الحرب الحديثة، لا يسقط القادة فقط بالصواريخ، بل بالأخطاء الصغيرة التي تتحول مع الوقت إلى خيوط تقود أجهزة الاستخبارات إلى الهدف. هذا ما تحاول إسرائيل الإيحاء به في روايتها الأخيرة عن عز الدين الحداد، أحد أبرز قادة كتائب القسام في قطاع غزة.
بحسب التسريبات الإسرائيلية، فإن الحداد أمضى الأشهر الأولى من الحرب متوارياً في شبكة الأنفاق، ملتزماً بأقصى درجات السرية. لم يكن يتحرك إلا ضمن دائرة ضيقة جداً من المرافقين، وكان يغيّر أماكن وجوده باستمرار، مدركاً أن أي نمط ثابت في السلوك كفيل بفضح موقعه.
لكن الرواية الإسرائيلية تقول إن هذا الانضباط الأمني بدأ يتراخى تدريجياً. فمع اقتراب المفاوضات حول وقف إطلاق النار، عاد الحداد إلى الظهور فوق الأرض، متنقلاً في بعض أحياء غزة. بالنسبة إلى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، لم يكن هذا مجرد تحرك ميداني، بل خطأ استراتيجياً منحها فرصة نادرة لرصد تحركاته بدقة.
وترى إسرائيل أن الحداد وجد نفسه أمام معادلة قاسية: القوات الإسرائيلية تضيق الخناق على مدينة غزة، والأنفاق لم تعد ملاذاً مضموناً كما في السابق، فيما الضغوط العسكرية والسياسية تتزايد على قيادة حماس. عند هذه النقطة، بات وقف إطلاق النار بالنسبة إليه حاجة شخصية وسياسية في آن واحد.
وتشير التقارير إلى أن الحداد حاول استغلال انشغال إسرائيل بجبهتي إيران ولبنان، معتقداً أن هامش الحركة أصبح أوسع. وظهر أحياناً في الشوارع في رسالة تحدٍ، أراد من خلالها التأكيد أنه لا يزال ممسكاً بالميدان. غير أن هذه الجرأة نفسها قد تكون تحولت إلى نقطة ضعفه.
كما ترجح المصادر الإسرائيلية أن عاملاً إنسانياً لعب دوراً أساسياً في تغيير سلوكه، إذ إن رغبته في الاقتراب من أفراد عائلته بعد شهور طويلة من الاختباء دفعته إلى المجازفة أكثر مما ينبغي.
الاستخبارات الإسرائيلية، التي تراقب التفاصيل الصغيرة، التقطت هذا التحول في نمط حياته. ومن وجهة نظرها، فإن القائد الذي نجا طويلاً في الأنفاق بدأ يترك خلفه إشارات يمكن تتبعها. ومع تراكم هذه الإشارات، خلصت الأجهزة الأمنية إلى أن فرصة اغتياله أصبحت أعلى من أي وقت مضى.
سواء كانت الرواية الإسرائيلية دقيقة بالكامل أو جزءاً من حرب نفسية، فإنها تحمل رسالة واضحة: في المعارك الاستخباراتية، لا يسقط القادة حين يفقدون القدرة على القتال، بل حين يظنون أن الخطر بات أقل مما هو عليه فعلاً. وفي حالة عز الدين الحداد، تقول إسرائيل إن لحظة الاطمئنان تلك قد تكون هي التي فتحت الطريق إليه.