عفوٌ على مَن؟

كتب شربل عمار:

وعن أي “مصالحة” يتحدّثون فيما دماء شهداء الجيش اللبناني لم تجف بعد؟
بين الحواصل الانتخابية، والصفقات السياسية، والعواطف المهترئة التي تُباع على شاشات التلفزة، تضيع الحقيقة ويُدفن الحق تحت ركام المصالح. بالأمس القريب، تمّ تهريب قتلة من الجنسية السورية متهمين بقتل عناصر من الجيش اللبناني، في اتفاق رعاه الوزير طارق متري، وكأنّ أرواح العسكريين أصبحت بندًا تفاوضيًا يُقايَض عليه في الغرف السياسية المغلقة.

نعم، قد يكون في السجون أبرياء، وقد تكون هناك ملفات تستحق إعادة النظر، وهذا حقّ لا يناقش فيه أحد. لكن السؤال الذي يهرب منه الجميع: من قتل شهداء الجيش؟ من أطلق النار على العسكريين؟ من خطفهم؟ من ذبح هيبة الدولة أمام أعين اللبنانيين؟ ولماذا يُطلب من الناس اليوم أن ينسوا، فقط لأن الطبقة السياسية قررت أن الوقت مناسب لتدوير الزوايا؟

المؤلم أكثر، أن من كان يومًا يتولى المحكمة العسكرية، ويُفترض أنه يعرف معنى العدالة وهيبة المؤسسة العسكرية، أصبح اليوم يُنظّر لفوائد حزب الله وكأنه يتحدث عن فوائد الزنجبيل أو الأعشاب الطبية، لا عن تنظيم أدخل لبنان في الحروب والانقسامات والعقوبات والدمار. أي سقوط أخلاقي وسياسي وصلنا إليه؟ وأي زمن هذا الذي يصبح فيه الدفاع عن السلاح والفوضى وجهة نظر “وطنية”، بينما المطالبة بالعدالة لشهداء الجيش تُصنَّف تحريضًا؟

المشكلة لم تعد فقط في المجرم، بل في السلطة التي حمت المجرم، وفي الحكومات المتعاقبة التي تعاملت مع دماء العسكريين بخفة واستنسابية، حتى أصبح البريء محاصرًا خلف القضبان، بينما يسير القاتل محاطًا بالتبريرات والشعارات والخطابات الشعبوية. لقد أوصلنا هذا الأداء السياسي الكارثي إلى مرحلة بات فيها اللبناني يشعر أن الدولة لا تتذكّر شهداءها إلا في الخطب، ثم تساوم على دمائهم عند أول تقاطع مصالح.

شهداء الجيش ليسوا أرقامًا في بيانات رسمية، ولا صورًا تُرفع في المناسبات ثم تُنسى. هؤلاء دفعوا حياتهم ثمنًا لبقاء الدولة واقفة، فيما السياسيون يتنافسون على تسجيل النقاط وتحقيق المكاسب الانتخابية. ومن العار أن يتحوّل ملف بهذه القداسة إلى مادة للمقايضة السياسية أو الاستثمار الإعلامي.

العدالة لا تُبنى على الانتقائية، والدولة لا تقوم على النسيان القسري، وأي وطن يساوي بين الجلاد والضحية هو وطن يسير نحو الانهيار الأخلاقي قبل السياسي. أما دماء شهداء الجيش، فستبقى لعنة تطارد كل من تاجر بها، أو سكت عنها، أو حاول دفن الحقيقة تحت شعار “التسويات”.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram