لم يكن المشهد الإعلامي الإسرائيلي مجرد تغطية خبرية لحدث دبلوماسي كبير، بل تحوّل فوراً إلى ساحة اختبار سياسي داخلي. الاتفاق لم يُقرأ كوثيقة خارجية بين واشنطن وطهران، بل كحدث يمسّ مباشرة موازين القوة داخل إسرائيل نفسها: بين الحكومة والمعارضة، بين اليمين والوسط، وبين مؤسسات الإعلام التي باتت جزءاً من الصراع السياسي لا مراقباً له.
في القنوات اليمينية مثل القناة 14، التي تمثل خطاباً قريباً من قاعدة بنيامين نتنياهو، جرى التعامل مع الاتفاق بوصفه “اختباراً للردع الإسرائيلي” أكثر من كونه تسوية دولية. الخطاب هناك ركّز على فكرة أن أي تفاهم أميركي–إيراني قد يقيّد حرية الحركة الإسرائيلية، وبالتالي جرى الدفاع عن نتنياهو باعتباره “الضامن الوحيد” لعدم انزلاق التوازن الاستراتيجي ضد إسرائيل. في هذا السياق، يظهر الإعلاميون المرتبطون بهذا الخط مثل يانون ماغال أو غيره من وجوه الخطاب اليميني كصوت تعبوي، لا يكتفي بالتحليل بل يدفع باتجاه تشكيل موقف شعبي مضاد للاتفاق.
في المقابل، القنوات 12 و13 تتعامل مع الحدث من زاوية أكثر براغماتية، لكنها ليست محايدة. هنا يظهر دور أسماء مثل أميت سيغال الذي يمثل يميناً صحفياً نقدياً، يوازن بين الدفاع عن الدولة وانتقاد أداء الحكومة. في هذه المنصات، يتم تحميل نتنياهو جزءاً كبيراً من مسؤولية “فقدان التأثير على القرار الأميركي”، مع إبراز أن الاتفاق يعكس ضعفاً في إدارة العلاقات مع واشنطن أكثر مما يعكس تهديداً وجودياً.
أما في الصحافة المكتوبة، خصوصاً “هآرتس”، فيتخذ الخطاب منحى أكثر راديكالية. جدعون ليفي وآخرون يذهبون إلى أبعد من نقد الاتفاق، نحو نقد بنية القرار الإسرائيلي نفسها، معتبرين أن المشكلة ليست في الاتفاق بل في السياسة الإسرائيلية التي تعيش على منطق الصراع الدائم.
بهذا المعنى، لا يتعامل الإعلام الإسرائيلي مع الاتفاق بوصفه حدثاً خارجياً، بل كمرآة لانقسام داخلي. فبعضه يهاجم ترامب حين لا يخدم الرواية الإسرائيلية، وبعضه يشمت بنتنياهو حين يراه مسؤولاً عن تراجع النفوذ، وبعضه الآخر يستخدم الحدث لإعادة إنتاج سردية أمنية كاملة.
النتيجة أن الإعلام هناك يعمل كـ”نظام تفجير داخلي” لكل اتفاق خارجي: كل خبر يتحول إلى مادة صراع بين روايات متناقضة، هدفها النهائي ليس فهم الخارج، بل إعادة ترتيب الداخل الإسرائيلي نفسه.
الرئيسية
دولي
مقالات خاصة
خاص_ الإعلام الإسرائيلي منقسم بين نتنياهو وترامب
- by Mohammad Ahmad
- 0 Comments
- Less than a minute
- 4 أيام ago
