لم يعد “maga” مجرد شعار انتخابي رفعه دونالد ترامب عام 2016، بل تحوّل إلى تيار سياسي ـ ثقافي ـ إعلامي نجح في السيطرة شبه الكاملة على الحزب الجمهوري، وإعادة تعريف اليمين الأميركي وفق معايير جديدة تقوم على الشعبوية، والقومية الاقتصادية، والعداء للمؤسسة التقليدية في واشنطن.
عبارة “Make America Great Again” التي استلهمها ترامب من حملة رونالد ريغان تحوّلت خلال عقد واحد إلى أكبر ظاهرة سياسية أميركية منذ “الريغانية”. لكن الفارق أن “maga” ليس حزباً عقائدياً كلاسيكياً، بل حركة ولاء شخصية تتمحور حول ترامب نفسه أكثر مما تتمحور حول برنامج سياسي متماسك.
في الماضي، كان الحزب الجمهوري تحالفاً بين المحافظين التقليديين، واليمين الديني، ورجال الأعمال، والصقور في السياسة الخارجية. أما اليوم، فالحزب بات أقرب إلى ماكينة انتخابية تدور في فلك ترامب. استطاع الرجل إقصاء معظم رموز “الجمهوريين التقليديين”، وفرض معادلة جديدة: الولاء لترامب يسبق الولاء للحزب.
قوة “maga” لا تكمن فقط في الحشود الشعبية، بل في ثلاثة عناصر مترابطة: المال، والإعلام، والتنظيم القاعدي. الحركة تمتلك اليوم شبكات تمويل هائلة عبر لجان دعم انتخابية ومنظمات ضغط ومجموعات مانحين ضخمة، كما نجحت في بناء نفوذ داخل الجامعات، والكنائس الإنجيلية، والمجالس المحلية، واللجان الحزبية، ما منحها قدرة تنظيمية طويلة الأمد تتجاوز شخصية ترامب نفسه.
أما إعلامياً، فقد خلقت “maga” منظومتها الخاصة: منصات رقمية، مؤثرون، قنوات محافظة، وجيش إلكتروني يهاجم الخصوم ويعيد إنتاج الرواية الترامبية يومياً. ولهذا السبب باتت أي شخصية جمهورية تخشى مواجهة هذا التيار، لأن كلفة التمرّد قد تعني نهاية مستقبلها السياسي.
لكن رغم هذا النفوذ، تواجه الحركة اليوم تحدياً كبيراً: هل تستطيع الفوز وطنياً، أم أنها تكتفي بالسيطرة على الحزب الجمهوري؟ هنا تكمن المعضلة الحقيقية.
الانتخابات النصفية المقبلة للكونغرس ومجلس الشيوخ ستكون بمثابة استفتاء على حكم ترامب في ولايته الثانية. الجمهوريون يملكون حالياً أكثرية ضيقة، لكن المؤشرات المبكرة لا تبدو مريحة لهم بالكامل. فالتضخم، والانقسامات الداخلية، وسياسة “تصفية الحسابات” التي يقودها ترامب ضد خصومه الجمهوريين، بدأت تثير قلقاً داخل الحزب نفسه.
المفارقة أن “maga” قوية جداً داخل الانتخابات التمهيدية الجمهورية، لكنها قد تكون عبئاً في الانتخابات العامة. فمرشحو ترامب ينجحون غالباً في سحق خصومهم داخل الحزب، لكن بعضهم يواجه صعوبة في جذب المستقلين والناخبين الوسطيين. وهذا ما يخشاه الاستراتيجيون الجمهوريون قبل معركة 2026.
في المقابل، يراهن الديمقراطيون على تعب الناخب الأميركي من الاستقطاب الحاد، وعلى خوف شريحة واسعة من “الترامبية الدائمة”. لذلك، تبدو فرصهم مرتفعة لاستعادة مجلس النواب، وربما تهديد الأكثرية الجمهورية في مجلس الشيوخ إذا استمرت الأزمة الاقتصادية والانقسامات داخل اليمين. لكن المشكلة لدى الديمقراطيين أنهم لا يزالون يفتقدون حتى الآن شخصية تعبّئ الشارع بالحماسة نفسها التي يولدها ترامب لدى قاعدته.
أما تأثير فوز ترامب أو خسارته سياسياً، فهو يتجاوز الانتخابات نفسها. إذا نجح في تكريس أكثرية جمهورية موالية له في الكونغرس، فهذا يعني تثبيت “maga” كهوية دائمة للحزب الجمهوري لعقد إضافي على الأقل، وربما تمهيد الطريق أمام وريث سياسي يحمل النهج نفسه وشخصيات شعبوية أخرى.
أما إذا خسر الجمهوريون الانتخابات النصفية، فقد تبدأ داخل الحزب أول مراجعة جدية لسؤال بات يهمس به كثيرون في واشنطن: هل أصبح ترامب عبئاً انتخابياً رغم سيطرته المطلقة على القاعدة الجمهورية؟
حتى الآن، لا أحد يجرؤ على مواجهة “maga” علناً داخل الحزب الجمهوري. لكن التاريخ الأميركي يقول إن الحركات الشعبوية تبلغ ذروة قوتها عندما تبدو غير قابلة للهزيمة… قبل أن تبدأ التصدعات من الداخل.