لم يعد من الممكن التعامل مع ما يجري في جنوب لبنان بوصفه “تطورات أمنية” أو “اشتباكات متفرقة”. نحن أمام نموذج مكتمل لوصاية سياسية–عسكرية تُدار من طهران، حيث يتحول لبنان إلى ساحة تشغيل لمشروع إقليمي لا يأخذ في الاعتبار كلفة الدول الصغيرة ولا حدودها ولا مستقبلها.
إيران لا “تدعم” حزب الله كما يُقال في الخطاب التبريري، بل تستخدمه كذراع وظيفي داخل جغرافيا لبنانية مكشوفة، تُستدعى عند الحاجة وتُطفأ عند الحسابات الكبرى. وفي هذه المعادلة، لا مكان للدولة اللبنانية إلا كواجهة شكلية تُترك لتدفع ثمن القرار الذي لا تملكه.
الجنوب اليوم ليس مجرد منطقة حدودية متوترة، بل مساحة مدمّرة تدريجياً: قرى تهدمت، بنى تحتية انهارت، ومجتمعات تُدفع إلى النزوح البطيء أو الانكماش القسري. كل ذلك فيما تستمر طهران في إدارة “استثمارها الاستراتيجي” بأقل كلفة ممكنة عليها، وأعلى كلفة ممكنة على اللبنانيين.
الأخطر أن هذا المسار لم يعد حدثاً طارئاً، بل بنية دائمة: حرب مؤجلة تُستدعى عند الحاجة، وهدوء هشّ يُستخدم لإعادة التموضع، فيما يبقى الجنوب رهينة قرار خارجي لا يخضع لأي مساءلة داخلية.
في المحصلة، ليست المشكلة في الجنوب وحده، بل في دولة مُصادَرة القرار، تُختزل سيادتها في شعارات، بينما يُدار واقعها الفعلي من خارج حدودها. وهذا هو جوهر الأزمة اللبنانية اليوم: بلد يُستخدم، ولا يملك أن يقرر متى يتوقف عن أن يكون ساحة.