ليس تفصيلاً إجرائياً عادياً أن تُؤجَّل جلسة العفو العام في لبنان. ما جرى أبعد من تعديل في روزنامة المجلس النيابي، وأقرب إلى إشارة سياسية صاخبة تقول إن البلاد ما زالت عاجزة عن إنتاج تسوية في واحد من أكثر الملفات حساسية: العدالة والعقاب ومن يستحق أن يُشملهما.
التأجيل الذي بُرِّر رسمياً بالحاجة إلى “التوافق”، جاء في لحظة سياسية مشحونة، بعدما ارتفعت أصوات سنية رافضة للصيغة المطروحة، معتبرة أنها غير متوازنة وتفتقر إلى الحد الأدنى من الإنصاف. وهكذا، لم تعد جلسة العفو مجرد بند تشريعي، بل تحولت إلى مرآة لانقسام عميق حول معنى العدالة نفسها في دولة تتنازعها الحسابات الطائفية أكثر مما تحكمها قواعد القانون.
في خلفية المشهد، يبدو واضحاً أن رئيس مجلس النواب نبيه بري اختار مقاربة التهدئة لا الحسم، مفضلاً سحب الجلسة من حقل ألغام سياسي وشعبي مفتوح، على المضي بها نحو مواجهة لا أحد يملك ترف نتائجها.
لكن جوهر الأزمة لا يكمن في موعد الجلسة، بل في السؤال الأكبر: هل ما زال ممكناً في لبنان إنتاج “عفو عام” خارج منطق المساومات الطائفية والفيتوهات السياسية؟ أم أن كل محاولة من هذا النوع ستبقى رهينة ميزان قوى هشّ، يبدّل في النصوص ولا يقترب من العدالة؟
بهذا المعنى، لا يبدو التأجيل نهاية مسار، بل تأجيل انفجار مؤجل أصلاً، في ملف يعكس أزمة الدولة مع نفسها قبل أن يعكس خلافاتها السياسية.