خاص_احتكار الترابة في لبنان: كارتيل يرفع الأسعار ويخنق الإعمار

في وقت يحتاج فيه لبنان إلى ورشة إعادة إعمار واسعة بعد الحروب والأزمات والانهيارات المتتالية، تحوّلت مادة الترابة إلى واحدة من أكثر المواد احتكاراً وربحية في السوق اللبنانية. فالترابة، التي تُعدّ العمود الفقري لأي عملية بناء أو ترميم، تُباع في لبنان بأسعار تفوق بكثير أسعار الدول المجاورة، وسط اتهامات مباشرة لكارتيل شركات الإسمنت بالتحكم بالسوق ومنع المنافسة والاستيراد.
ويؤكد خبراء اقتصاديون ومقاولون أن ما يحصل في سوق الترابة ليس مجرد أزمة عرض وطلب، بل نموذج واضح لاحتكار طويل الأمد محمي سياسياً وإدارياً منذ سنوات.
في لبنان، وصل سعر طن الترابة في بعض الفترات إلى نحو 300 دولار في السوق غير الرسمية، رغم أن الأسعار المفترضة رسمياً أقل بكثير وتدور حول حدود تقارب 90 دولاراً. أما في الظروف الطبيعية السابقة، فكان السعر يتراوح بين 70 و130 دولاراً بحسب المناطق والتوفر.
في المقابل، تظهر المقارنة مع دول الجوار فجوة كبيرة. ففي مصر يتراوح سعر الطن بين 45 و60 دولاراً، وفي الأردن بين 70 و90 دولاراً، وفي تركيا بين 40 و55 دولاراً، بينما حتى في أسواق تعاني من أزمات مثل سوريا يبقى السعر غالباً بين 50 و80 دولاراً. هذا يعني أن سعر الترابة في لبنان قد يزيد أحياناً بنسبة تتجاوز 150 إلى 200% عن بعض الدول المجاورة.
ويعود السبب الأساسي إلى بنية احتكارية يسيطر عليها عدد محدود من الشركات الكبرى في قطاع الإسمنت، أبرزها شركات معروفة تتحكم بالإنتاج المحلي وتوزيعه، مستفيدة من واقع قانوني وتنظيمي يحدّ من المنافسة.
كما أن استيراد الترابة شبه ممنوع عملياً، إذ يخضع لإجازات مسبقة من وزارة الصناعة، إضافة إلى رسوم وإجراءات تجعل دخول أي مستورد جديد إلى السوق أمراً بالغ الصعوبة. هذا الواقع أدى إلى إغلاق فعلي للسوق أمام المنافسة الخارجية، ما سمح للمنتجين المحليين بالتحكم بالأسعار والكميات.
انعكاسات هذا الاحتكار خطيرة جداً على قطاع البناء. فالإسمنت يدخل في كل تفاصيل البناء من الأساسات إلى الهيكل، وبالتالي فإن أي ارتفاع في سعره ينعكس مباشرة على الكلفة النهائية للمشاريع.
ويقدّر مهندسون ومقاولون أن ارتفاع أسعار الترابة في لبنان يرفع كلفة البناء بين 10 و20% في المشاريع المتوسطة، وقد تتجاوز النسبة ذلك في المشاريع الكبيرة أو في فترات شحّ المواد. فبناء شقة متوسطة المساحة يحتاج إلى عشرات الأطنان من الإسمنت، ما يعني أن فرق السعر بين السوق اللبنانية والأسواق المجاورة يترجم مباشرة بعشرات آلاف الدولارات على كلفة المشروع الواحد.
هذا الواقع أدى إلى ارتفاع أسعار الشقق السكنية بشكل ملحوظ، وإلى تراجع القدرة على التملك، خصوصاً لدى الطبقة الوسطى، كما تسبب بتباطؤ كبير في حركة البناء والاستثمار العقاري، وتأجيل العديد من مشاريع الترميم وإعادة الإعمار.
اقتصادياً، يشكل استمرار هذا الاحتكار عائقاً أمام أي تعافٍ حقيقي في قطاع البناء، الذي كان تاريخياً من أهم محركات الاقتصاد اللبناني. فارتفاع كلفة المواد الأساسية ينعكس على كل الدورة الاقتصادية، من اليد العاملة إلى الاستثمار إلى أسعار العقارات.
أما الحلول المطروحة فتبدأ من تحرير سوق الترابة بالكامل، عبر فتح الاستيراد دون قيود تعجيزية، وخفض الرسوم الجمركية، وإلغاء نظام الإجازات المسبقة الذي يحد من المنافسة. كما يُطرح إنشاء هيئة رقابة مستقلة على الأسعار، وتشجيع دخول مستوردين جدد، وكسر أي احتكار قائم عبر قوانين منافسة صارمة وفعالة.
في المحصلة، يبقى قطاع الترابة نموذجاً صارخاً عن كيفية تحوّل مادة أساسية في البناء إلى أداة ضغط اقتصادي، تدفع ثمنها الدولة والمواطن معاً، فيما تستفيد منه قلة تتحكم بالسوق والأسعار.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram