خلف مبنى “جامع العزم”، حيث تُرفع مآذن الله وتُتلى آيات الرحمة، ارتكبت شياطينٌ تمشي على قدمين أبشع جريمة عرفتها طرابلس. لم تكن مجرد حادثة تخلي عن طفلة، بل كانت حفلة إعدام سادية بطيئة.
طفلةٌ رضيعة، تتنفس، تنبض، وتتوسل الحياة بصمت، تُحشر حيةً داخل كيس زبالة أسود، يُربط على أنفاسها بإحكام، وتُرمى على الإسفلت البارد لتموت خنقاً ورعباً وصقيعاً.
هذه ليست قصة حزينة نبكي عليها، هذه بصقةٌ في وجه كل من يدّعي الإنسانية، ووثيقة عارٍ ستظل تلاحق هذا المجتمع إلى يوم الدين.
مسلخ الأبرياء… أنفاسٌ تتقطع داخل البلاستيك!
حاولوا أن تتخيلوا المشهد، إن كنتم تملكون الجرأة:
رئةٌ بحجم قبضة اليد الصغيرة، تحاول يائسةً أن تسحب ذرة أوكسجين من بين جدران كيس نايلون نتن. جسدٌ غضٌ طري، خرج للتو من دفء الرحم، ليُصفع ببرودة أوتوستراد الزاهرية. البلاستيك الأسود يلتصق بوجهها الصغير مع كل شهيق، والظلام الدامس يبتلع صرختها المكتومة.
لقد وُجدت حية! نُقلت إلى مستشفى “أورانج ناسو” وهي تقاوم بشراسة بطلٍ أسطوري. تمسكت بالحياة التي استكثرها عليها من أنجبوها، لكن السمّ الذي زرعوه في جسدها بالصقيع والاختناق كان أقوى. ماتت لأن قتلتها أرادوا لها أشنع ميتة وأبطأ عذاب.
إلى “الذكر” و”الأنثى” اللذين فعلاها (فأنتم لستم أباً وأماً):
أيها السفلة.. يا حثالة البشرية وأقذر ما أنجبت الأرض!
بأي عذرٍ ستبررون هذه الخسة؟ بالفقر؟ الفقر يصنع الرجال والأمهات، ولا يصنع القتلة.
بالعار؟ أنتم العار يمشي على قدمين! الحيوانات الضالة في شوارع طرابلس تبحث عن طعامٍ في النفايات لتطعم صغارها، وأنتم ترمون لحمكم ودمكم حيّاً في قلب النفايات!
كيف لم ترتجف أيديكم الملعونة وأنتم تربطون عقدة الكيس على أنفاسها؟ أي قلوبٍ من القيح والقطران تحملون في صدوركم؟
أنتم لستم مجرد مجرمين، أنتم مسوخٌ مشوهة لا تستحق أكسجين هذه الأرض. لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على كل لحظة نومٍ تغفو فيها أعينكم. عسى أن يطاردكم صوت حشرجتها واختناقها في كل زاوية، وعسى أن يكون سريركم كيس قمامة أسود يُغلق على أنفاسكم ولا تجدون من يرحمكم.
عن أي إنسانية تتحدثون؟
لقد سقطنا جميعاً في ذلك الكيس الأسود. المجتمع الذي تمر فيه جريمة كهذه كخبرٍ عاجل يُقرأ بين رشفة القهوة وسحبة السيجارة، هو مجتمعٌ ميت، متعفن، ويحتاج إلى دفن.
نحن نتبجح بالدين، والأخلاق، والعادات، لكن الحقيقة العارية البشعة هي أن طفلةً بريئة استنجدت بنا، فلم تجد سوى كيس زبالة ورصيف بارد خلف مكانٍ للعبادة!
إلى تلك الروح التي صعدت إلى السماء:
اغفري لنا يا صغيرتي.. أو بالأحرى، لا تغفري لأحد.
قفي أمام عرش الرحمن، وافردي رئتيك الصغيرتين الممزقتين، واشكِ له هذا العالم القذر. أخبريه أنكِ جئتِ إلى أرضٍ لا تستحق طهرك، وأنكِ وجدتِ في الموت رحمةً هرباً من وحوشٍ يسمون أنفسهم “بشراً”.
أما نحن، فليصمت الجميع… لقد تعفنت إنسانيتنا، وفاحت رائحتها.
بقلم أسعد نمور
