حزب الله إلى زوال والشيعة باقون… ولبنانيون

بقلم حسين عبد الحسين

سكنتُ في بعلبك بدون انقطاع بين الأعوام 1982 و1987، وبعدها واصلتُ قضاء الأعياد والصيف فيها حتى منتصف التسعينيات. شيعة بعلبك الذين نشأتُ معهم لم يشبهوا الجمهورية الإسلامية في إيران، ولا الثورة الإسلامية في لبنان (حزب الله) بشيء. أنا من عائلة شيعية محافظة من السادة، من نسل الرسول، ومع ذلك كانت الهوية التي نشأتُ عليها لبنانية بحتة. كان الرجال حليقي الذقن والشوارب، ولم يلبس أحدهم الخواتم القبيحة، ولم يلقوا على بعضهم التحية بقول «السلام عليكم». كانت تحياتنا هي «صباح الخير» و«مساء الخير» و«تصبحون على خير»، وأيضاً «مرحبا» و«عوافي» و«على العافية».

أمضى جدي حياته قاضياً، وكذلك اثنان من أبنائه (أخوالي). كانت الأناقة الأوروبية سائدة، بما في ذلك ربطات العنق والأحذية الإيطالية والبدلات المفصلة. كانوا يحبون دولة لبنان ويتفاخرون بهويتهم اللبنانية. كان جدي يحب فيروز ويردد خصوصاً أغاني الدبكة الفيروزية، وكان يحدثني عن شقيقه الذي توفي بعد ولادتي بسنة فيقول: «عمك كان يحب نصري شمس الدين أكثر من فيروز»، وكان ذلك يفاجئ جدي، الذي كان من مؤسسي لجنة مهرجانات بعلبك وعضواً فيها.

كان جدي فرنكوفونياً، بينما كان أخوالي من خريجي المدارس والجامعة الأميركية. كانت عائلتي الشيعية وكل الشيعة الآخرين الذين عرفتهم مفتونين بأميركا: الأفلام الأميركية والإمبراطورية الأميركية. كان المهاجرون إلى أميركا يزوروننا في الصيف ويروون لنا عجائب أميركا، فيثيرون دهشتنا. أما إيران، فكانت بالنسبة إلينا تعني الشاه والسجاد العجمي وربما بعض الفستق أو منتجات أخرى.

لم تكن عائلتنا الشيعية تعتبر الفرس أسياداً لها. نحن عرب، والإسلام دين عربي، والإمام علي جدّنا، ونحن أصل المذهب، والفرس دخلاء عليه. ونحن شيعة بلاد الشام من الأقليات التي لجأت إلى لبنان هرباً من اضطهادات متعددة من المماليك ومن جاء بعدهم. ولم نكن نتذكر العثمانيين بالخير، فالسلطنة كانت سنية ولم تنصف أجدادنا. أما فلسطين، فكان الفلسطينيون يبيعون أراضيهم ثم يأتون ليأخذوا بلدنا. ثم إن كل الفلسطينيين سنة، ولا توجد عائلة فلسطينية شيعية واحدة. والفلسطينيون خربوا بيوتنا في بيروت لما تسببوا باندلاع «الأحداث» (هكذا كان اللبنانيون يسمون حربهم الأهلية). كما أننا لم نستسغ عبد الناصر كثيراً، إذ كان سنياً أيضاً. كنا نحب غالباً شاه إيران والملكية الهاشمية (خصوصاً أن حكام الأردن سادة من نسل الرسول، أي أولاد عم لعائلتنا).

ثم بدأ حزب الله ينتشر، وكان جدي يسخر منهم قائلاً: «يا جدي، خلقنا شيعة قبل بكثير ما يجي حزب الله، وآباؤنا كانوا شيعة، وأمهاتنا شيعة، وجدودنا شيعة».

كان حزب الله بمثابة طائفة (cult) خارجة عن تقاليدنا وطرقنا الاجتماعية وأذواقنا ولبنانيتنا. لم نستسغ علم إيران، ولا شعار حزب الله، وكنا نسخر من شعاراتهم مثل «على أميركا دوس» و«الهي الهي احفظ لنا الخميني حتى ظهور المهدي». كان جدي يتساءل ساخراً: «كيف عاش الشيعة 1400 سنة من دون الخميني في انتظار المهدي؟».

أما البدعة الأكبر التي أدخلها حزب الله فكانت في مراسم عاشوراء: المبالغة في الحزن واللطم والاتشاح بالسواد، وخصوصاً ترداد المجالس باللهجة العراقية. كان جدي يعقد مجالس عاشوراء كل ليلة من الليالي العشر. كان القارئ شيخاً من بيت نصر الله في بعلبك. كان رجال العائلة الواسعة يحضرون، ونقوم نحن المراهقون بتضييفهم الشاي والكعك. كان الشيخ ينتهز الفرصة ليتحدث عن التشبه بأخلاق أهل البيت والحسين صاحب المناسبة، وكان يعترض على اللطم ويقول إن السيد محسن الأمين، العلامة الشيعي الذي سكن دمشق والذي تُسِمَّتْ باسمه المدرسة المحسنية، كتب في تنقية المذهب، وخصوصاً في مراسم عاشوراء. وكان الشيخ يردد فتوى السيد الأمين ضد اللطم قائلاً: «لا يجوز عبادة الله من حيث معصيته» (أي باللطم).

ولم نكن نتشح بأي سواد في عاشوراء، لكن التقاليد كانت تقضي بعدم إقامة أعراس أو احتفالات أو شراء ملابس أو سيارات أو أشياء جديدة حتى انقضاء الشهر. هذه عادات متوارثة وصامتة، ومن كان يخرج عنها لم يعترض أحد على خياراته.

«حزب الله» ليس المذهب الشيعي. هو عصابة مسلحة باسم الشيعة. حان وقت رحيلهم كما رحل قبلهم الناصريون والشيوعيون والبعثيون والدواعش، فالمشاريع العنفية عقيمة، ويندر أن تعمّر أكثر من عمر مموليها. أما شيعة لبنان فباقون، ولبنانيون، وبلا سلاح، ولا خشية من اللبنانيين الآخرين، بل عِشرة أجيال من الألفة والشراكة في الوطن الجميل لبنان، وسلام مع كل دول الإقليم، من إسرائيل إلى إيران وما بينهما.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram