في ظل النقاش المتصاعد محلياً ودولياً حول دور “حزب الله” ومستقبله، أعادت “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأميركية” (FDD) فتح ملف السياسة الأوروبية تجاه الحزب. واعتبر تقرير جديد للمؤسسة أن التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية اللبناني يوسف رجي وجهت ضربة مباشرة لأبرز المسلّمات التي يتبناها الاتحاد الأوروبي منذ عام 2013، والمتمثلة بالفصل بين جناحي الحزب السياسي والعسكري.
سقوط مقولة “الجناحين”
استند التقرير إلى مقابلة أجراها الوزير رجي مع قناة “LCI” الفرنسية، حيث أكد بصراحة أن “حزب الله” تنظيم واحد يمتلك قيادة واستراتيجية وهدفاً واحداً، واصفاً إياه بأنه أداة بيد إيران لزعزعة استقرار الشرق الأوسط.
ويتناقض هذا الموقف اللبناني الرسمي كلياً مع السياسة الأوروبية المتبعة منذ 2013، حين قررت دول الاتحاد إدراج الجناح العسكري للحزب فقط على قوائم الإرهاب. وأشار التقرير إلى أن فرنسا كانت المدافع الشرس عن هذه التسوية بعد تفجير “بورغاس” في بلغاريا، بحجة أن تصنيف الحزب بالكامل كمنظمة إرهابية قد يزعزع استقرار لبنان ويقلص النفوذ الغربي في بيروت.
وأكد التقرير الأميركي أن هذا الفصل لم يكن يعكس حقيقة الحزب التنظيمية، بل كان مجرد “تسوية دبلوماسية” أتاحت لأوروبا اتخاذ إجراءات شكلية وتجنب البحث في دور طهران المباشر، من دون المساس بالمقاربة الفرنسية تجاه لبنان.
قماطي كنموذج تنظيمي
لطالما رفضت قيادة “حزب الله” نفسها التمييز الأوروبي، مؤكدة مراراً ارتباط أنشطتها العسكرية والسياسية والاجتماعية تحت مظلة تنظيمية واحدة وسلسلة قيادة موحدة.
واستشهد التقرير بمواقف نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب والوزير السابق محمود قماطي لتأكيد هذه الحقيقة. فقماطي، المحسوب أوروبياً على “الجناح السياسي”، أطلق مؤخراً تهديدات بإسقاط حكومة نواف سلام، محذراً من أن أي محاولة لنزع سلاح الحزب لن تمر “من دون إراقة دماء”، ووصل به الأمر إلى تخوين الحكومة واتهامها بـ”بيع الوطن”.
وخلص التقرير إلى أن الحزب ليس حزباً سياسياً عادياً يمتلك قوة مسلحة، بل هو الأداة الإقليمية الأبرز للجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تتولى تمويله وتسليحه وتدريبه.
تراجع أوروبي وتمسك فرنسي
ورغم هذه الحقائق، استمرت فرنسا لأكثر من عقد في الدفاع عن مقاربتها. فحتى بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت عام 2020، أصر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على ضرورة إشراك جميع الفاعلين السياسيين، بمن فيهم “حزب الله”، بحجة الحفاظ على الاستقرار.
في المقابل، بدأت هذه السياسة تتهاوى داخل القارة العجوز. فقد تخلت دول مثل بريطانيا، هولندا، ألمانيا، التشيك، إستونيا، ليتوانيا، وسلوفينيا عن هذا النهج تدريجياً. وفي عام 2020، بررت ألمانيا قرارها بحظر الحزب كلياً بوجود أدلة قاطعة على نشاط شبكات تابعة له داخل أراضيها في مجالات التمويل والتجنيد والدعم اللوجستي، مؤكدة أن الفصل بين العمل السياسي والعسكري لا يطابق الواقع العملياتي للتنظيم.
معركة استعادة السيادة اللبنانية
بعد مرور 13 عاماً على إقرارها، يرى تقرير المؤسسة الأميركية أنه بات من الصعب الدفاع عن السياسة الأوروبية؛ فهي لم تنجح في إضعاف “حزب الله”، ولم تعزز مؤسسات الدولة اللبنانية، ولم تحد من النفوذ الإيراني، كما فشلت في تحقيق الاستقرار الموعود.
وأشار التقرير إلى أن التحذيرات التاريخية للبنانيين الداعمين للسيادة، من استحالة بناء دولة قوية بوجود قوة مسلحة مرتهنة للخارج، باتت اليوم تُطرح علناً وعلى لسان وزير الخارجية اللبناني نفسه.
وختم التقرير بالإشارة إلى المساعي الحالية لشخصيات مثل الرئيس جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ووزير الخارجية يوسف رجي، الذين يتحملون مخاطر سياسية كبرى لاستعادة سيادة الدولة، بما في ذلك الانخراط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. في وقت لا يزال فيه الاتحاد الأوروبي متمسكاً بفرضية فقدت مبرراتها وباتت موضع شك لدى المسؤولين اللبنانيين والأوروبيين على حد سواء.
