كتب مارون بشارة:
تقدّم تركيا وإيران نموذجين متناقضين في الشرق الأوسط. كلاهما ينتمي، بدرجات متفاوتة، إلى عالم السياسة ذات المرجعية الإسلامية، وكلاهما يسعى إلى نفوذ يتجاوز حدوده الجغرافية. لكن الطريقين مختلفان جذريًا: تركيا قررت أن تدخل المنطقة عبر السوق، فيما قررت إيران أن تدخلها عبر الصراع.
حين تنزل إلى الأسواق، تجد تركيا أمامك. تجد المواد الغذائية، والأثاث، والملابس، والأدوات المنزلية، والمسلسلات، والسياحة، والمطاعم، وشركات الطيران، والفنادق. تركيا حاضرة في الحياة اليومية للناس. وحتى عندما تحضر سياسيًا، لا تحتاج دائمًا إلى خطاب سياسي كي تثبت وجودها؛ فمنتجاتها تقوم بالمهمة نيابة عنها.
المواطن العربي قد لا يعرف تفاصيل السياسة التركية، لكنه يعرف البضاعة التركية، ويشاهد المسلسل التركي، ويسافر إلى إسطنبول أو أنطاليا أو طرابزون. هذا هو النفوذ الناعم، لكنه نفوذ فعّال وعميق ومستدام.
أما إيران، فأين نراها؟ نراها في نشرات الأخبار: الملف النووي، العقوبات، الحرس الثوري، الصواريخ، حزب الله، العراق، سوريا، اليمن، غزة، ومضيق هرمز. إيران حاضرة بقوة، لكن حضورها ليس كدولة منتجات، بل كدولة أزمات.
إنها ليست حاضرة في السوبرماركت، بل في غرف العمليات والمفاوضات. ليست دولة يشتري الناس منها، بل دولة تتقي الحكومات شرها وتحسب لها الحساب.
هنا يظهر الفارق بين نموذجين كاملين: تركيا تصدّر السلع، وإيران تصدّر القلق. تركيا تحتاج إلى الاستقرار كي تبيع أكثر. أما إيران فكثيرًا ما تستثمر في التوتر كي تفاوض من موقع أقوى. تركيا تريد أن تُرى في الأسواق والفنادق والمطارات. إيران تريد أن تُرى في الجبهات والملفات الأمنية والخرائط الاستراتيجية.
قد يقال إن العقوبات هي التي منعت إيران من التحول إلى قوة اقتصادية طبيعية، وهذا صحيح جزئيًا. لكن العقوبات ليست قدرًا هبط من السماء، بل نتيجة خيارات سياسية واستراتيجية واضحة: البرنامج النووي، والعداء الطويل مع الولايات المتحدة والغرب عمومًا، ودعم الحلفاء المسلحين، وتحدي النظامين الإقليمي والدولي.
إيران لم تُعاقَب لأنها أرادت تصدير السجاد أو الأدوية أو المنتجات الغذائية، بل لأنها اختارت أن تكون دولة ثورية مشاكسة عابرة للحدود.
أما تركيا، فعلى الرغم من أزماتها السياسية والاقتصادية، بقيت أقرب إلى منطق الدولة التجارية. صحيح أنها تدخلت عسكريًا في سوريا وليبيا والقوقاز، وطورت صناعة دفاعية مهمة، لكنها فعلت ذلك فوق قاعدة اقتصادية وتجارية وسياحية واسعة. لم تجعل السلاح هويتها الوحيدة، ولم تجعل الميليشيا بديلًا عن المنتج.
وربما يكمن الفرق الأعمق في مكان آخر: الفرق بين “الدولة” و”الثورة”.
الدولة تريد مستثمرًا، وسوقًا، وسائحًا، ومصنعًا، ومستهلكًا. أما الثورة فتحتاج إلى عدو دائم كي تبرر استمرارها. الدولة تقيس نجاحها بفرص العمل والصادرات والدخل. والثورة تقيس نجاحها بقدرتها على الصمود والتحدي وإرباك الخصوم.
لذلك تنتج تركيا صورة بلد يمكن زيارته والشراء منه والاستثمار فيه، فيما تنتج إيران صورة بلد لا يمكن تجاهله، لكن يصعب الاقتراب منه اقتصاديًا.
المشكلة ليست أن إيران ضعيفة. على العكس تمامًا، إيران قوية في مجالها: قادرة على التعطيل، وقادرة على الردع، وقادرة على تحريك الأوراق الإقليمية، وقادرة على فرض نفسها على طاولة المفاوضات. لكنها قوة مكلفة.
فالصاروخ لا يخلق رفاهًا. والميليشيا لا تصنع طبقة وسطى. والبرنامج النووي قد يمنح ورقة تفاوض، لكنه لا يملأ الأسواق بمنتجات منافسة. والقدرة على تهديد الملاحة قد تجبر العالم على الإصغاء، لكنها لا تجعل المواطن أكثر غنى.
في المقابل، ليست قوة تركيا كاملة ولا مثالية. لديها تضخم، واستبداد متزايد، وأزمات عملة، وتوترات سياسية. لكنها، رغم ذلك، نجحت في أن تتحول إلى اقتصاد مرئي. يراها الناس في المنتجات، والسياحة، والخدمات، والمقاولات، والثقافة الشعبية.
وهذه قوة أكثر استقرارًا من قوة الصراع، لأنها تقوم على الحاجة المتبادلة لا على الخوف.
الخلاصة أن تركيا وإيران لا تمثلان فقط دولتين متنافستين، بل خيارين استراتيجيين مختلفين. تركيا اختارت أن تجعل الناس يشترون منها. وإيران اختارت أن تجعل الدول تخاف منها.
الأولى تبني نفوذها عبر المنفعة، والثانية تبنيه عبر التهديد. الأولى حاضرة في السوق، والثانية حاضرة في الأزمة.
لكن التاريخ يعلّمنا أن النفوذ الذي يقوم على المنتج أطول عمرًا من النفوذ الذي يقوم على الخوف. فالأسواق تبني علاقات، أما الأزمات فتستهلك أصحابها.
لذلك، ورغم كل عيوب تركيا، يبدو نموذجها أقرب إلى منطق الدولة المنتجة. أما إيران، ورغم صلابتها وقدرتها على التأثير، فتبدو أسيرة منطق الثورة المسلحة: كثيرة الحضور في السياسة، قليلة الحضور في حياة الناس اليومية؛ قوية في صناعة الأزمات، ضعيفة في صناعة الرفاه.
