دخل لبنان مرحلة شديدة الخطورة مع التصعيد السياسي والعسكري المتسارع، فيما بدا خطاب الأمين العام لـنعيم قاسم وكأنه انتقال إضافي نحو خطاب المواجهة المفتوحة، بمعزل عن حجم الانهيار الذي يعيشه اللبنانيون، وخصوصاً البيئة الشيعية التي دفعت خلال السنوات الماضية أثماناً باهظة من الدم والاقتصاد والاستقرار.
فالخطاب الأخير لقاسم لم يبدُ مجرد موقف سياسي أو رسالة ميدانية، بل ظهر كأنه محاولة لفرض واقع داخلي جديد داخل الطائفة الشيعية نفسها، وتحديداً في العلاقة مع نبيه بري. إذ بدا واضحاً أن قاسم يتصرف باعتباره المرجعية السياسية والعسكرية الوحيدة القادرة على تحديد مصير الشيعة في لبنان، في وقت يلتزم فيه بري صمتاً يثير الكثير من الأسئلة.
هذا الصمت لم يعد تفصيلاً. فالمشهد يوحي وكأن ميزان القوى داخل الطائفة يتبدل تدريجياً لمصلحة حزب الله، بينما يتراجع دور بري السياسي والشعبي، أو على الأقل يصبح محكوماً بسقف يفرضه الحزب. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل بات بري عاجزاً عن معارضة خطاب التصعيد؟ أم أنه يخشى مواجهة داخلية مع حزب الله قد تُفقده ما تبقى من نفوذ؟
الأخطر أن الجنوب اللبناني يقف على حافة دمار شامل. فكل المؤشرات الميدانية والسياسية تؤكد أن أي توسع للحرب لن يترك قرية أو بنية تحتية أو مؤسسة قائمة. ويبدو أن بري يدرك هذه الحقيقة جيداً، بل يخشى فعلياً تدمير الجنوب كله، بكل ما يحمله ذلك من تهجير واسع وانهيار اجتماعي واقتصادي داخل البيئة الشيعية نفسها. إلا أن هذا الخوف لم يتحول حتى الآن إلى موقف سياسي علني قادر على كبح الاندفاعة التصعيدية.
لبنان اليوم ليس قادراً على تحمل حرب جديدة. الاقتصاد في حالة انهيار شبه كامل، الدولة مفككة، ملايين النازحين يشكلون عبئاً هائلاً، والاعتداءات الإسرائيلية مستمرة بوتيرة خطيرة. وفي ظل هذا الواقع، فإن أي خطاب يدفع نحو مزيد من الاشتعال يبدو منفصلاً عن حسابات الدولة والمجتمع، ويضع الطائفة الشيعية أمام مخاطر وجودية لا مجرد خسائر سياسية.
من هنا، تبدو مسؤولية بري مضاعفة. فهو لا يشغل فقط موقع رئيس مجلس النواب، بل يمثل تاريخياً أحد أبرز أركان التوازن داخل الطائفة الشيعية. ولذلك، فإن استمرار الصمت قد يُفسَّر على أنه تسليم كامل بقيادة قاسم للمشهد الشيعي، أو خوف من الاصطدام معه، فيما الجنوب يقترب أكثر فأكثر من كارثة مفتوحة.
اللحظة الحالية تتطلب موقفاً واضحاً لا مواربة فيه. لأن استمرار التصعيد لن يقود إلا إلى مزيد من الدمار والنزوح والخراب، وسيكون أبناء الجنوب أول من يدفع الثمن.