اليورانيوم الإيراني المخصب: أين هو مخزون 60%؟وكيف دفنته الحرب؟

يشكّل ملف اليورانيوم المخصب في إيران اليوم أحد أكثر الملفات حساسية في النظام الدولي، ليس فقط بسبب تقدّم البرنامج النووي الإيراني، بل بسبب الغموض المتزايد حول حجم ومكان تخزين المخزون عالي التخصيب، خصوصاً بعد الضربات العسكرية التي طالت منشآت نووية خلال الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل.
المعضلة لم تعد تقنية فقط، بل سياسية وأمنية بامتياز: هل ما زالت إيران تملك فعلياً مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم المخصب بنسبة ستين بالمئة؟ وأين تم نقله أو تخزينه؟ وهل يمكن أن يتحول سريعاً إلى مادة صالحة للاستخدام العسكري بنسبة تسعين بالمئة؟
أولاً: حجم مخزون إيران من اليورانيوم المخصب
وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتقارير مراكز أبحاث غربية متقاطعة، فإن إيران كانت تمتلك قبل الحرب الأخيرة:
بين 408 و440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة ستين بالمئة
بين 840 و933 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة عشرين بالمئة
هذه الأرقام ليست تفصيلية، بل مفصلية في تقييم “زمن الاختراق النووي”، أي الوقت اللازم لإنتاج مادة انشطارية كافية لصناعة سلاح نووي واحد.
وتشير التقديرات إلى أن جزءاً من مخزون العشرين بالمئة تم إعادة استخدامه للوصول إلى مستوى ستين بالمئة، ما يعني أن إيران لم تعد في مرحلة التخصيب الأولي، بل في مرحلة متقدمة جداً من الدورة النووية.
ثانياً: لماذا يُعد تخصيب ستين بالمئة نقطة التحول الأخطر؟
اليورانيوم الطبيعي يحتوي على نحو 0.7% فقط من النظير القابل للانشطار.
ومراحل التخصيب تكون عادة كالتالي:
0.7% إلى 3.67%: مستوى وقود نووي مدني لمحطات الطاقة
3.67% إلى 20%: يورانيوم عالي التخصيب
20% إلى ستين بالمئة: مستوى متقدم جداً قريب من الاستخدام العسكري
ستين بالمئة إلى تسعين بالمئة: مستوى عسكري
الخطورة في الوصول إلى ستين بالمئة تكمن في أن:
معظم العمل التقني الصعب في التخصيب يكون قد تم إنجازه
الانتقال إلى تسعين بالمئة يتطلب وقتاً أقل بكثير
المادة تصبح أقرب عملياً إلى العتبة العسكرية
ولهذا تعتبر دول غربية أن إيران أصبحت عند “عتبة نووية غير معلنة”.
ثالثاً: كيف يتم الانتقال من ستين إلى تسعين بالمئة؟
تتم العملية عبر سلسلة مراحل تقنية داخل أجهزة الطرد المركزي:
تحويل اليورانيوم إلى غاز سداسي فلوريد اليورانيوم
إدخاله إلى أجهزة الطرد المركزي عالية السرعة
فصل النظائر عبر فروقات الوزن الذري
إعادة تمرير الناتج في سلاسل متتابعة
رفع نسبة النظير القابل للانشطار تدريجياً حتى تسعين بالمئة
اللافت أن:
رفع التخصيب من ستين إلى تسعين بالمئة يحتاج جهداً زمنياً أقل من المراحل الأولى
أي أن “المرحلة الأخيرة” هي الأسرع تقنياً إذا توفرت البنية التحتية
وتقدّر بعض الدراسات أن زمن الوصول إلى المادة الانشطارية قد يصبح أسابيع إلى أشهر قليلة فقط.
رابعاً: أين يمكن أن يكون مخزون اليورانيوم اليوم؟
بعد الضربات العسكرية الأخيرة، لا توجد معلومات مؤكدة علنية حول مواقع التخزين، لكن التقديرات تتركز حول ثلاثة مواقع رئيسية:
أولاً: منشأة فوردو النووية
منشأة فوردو النووية
منشأة شديدة التحصين داخل جبل قرب مدينة قم
صُممت لتحمّل الضربات الجوية الثقيلة
استخدمت لتخصيب اليورانيوم حتى ستين بالمئة
تعد من أكثر المواقع حساسية وأماناً
ثانياً: منشأة نطنز النووية
منشأة نطنز النووية
أكبر مركز تخصيب في إيران
يحتوي على منشآت تحت الأرض وأخرى سطحية
تعرض لهجمات سيبرانية وعمليات تخريب سابقة
يمثل القلب الصناعي لبرنامج الطرد المركزي
ثالثاً: مجمع أصفهان النووي
مجمع أصفهان النووي
مركز تحويل ومعالجة اليورانيوم
يضم قدرات تخزين ومعالجة
تشير تقارير إلى احتمال نقل جزء من مخزون ستين بالمئة إليه قبل الضربات
حلقة وسيطة في الدورة النووية الإيرانية
خامساً: هل دُفن أو نُقل المخزون خلال الحرب؟
السيناريوهات المطروحة:

  1. النقل المسبق
    نقل المواد إلى مواقع سرية أو منشآت بديلة قبل الضربات.
  2. التخزين داخل منشآت محصنة
    خصوصاً في فوردو داخل الجبال.
  3. دفن جزئي تحت الأنقاض
    نتيجة قصف أو انهيارات دون تدمير المادة نفسها.
    لكن تدمير المنشأة لا يعني تدمير اليورانيوم، لأنه مخزن داخل أسطوانات معدنية محكمة الإغلاق.
    سادساً: كيف يتم استخراج اليورانيوم إذا كان مدفوناً؟
    إذا كان المخزون تحت الركام، فإن الاستخراج يتم عبر:
    إزالة الأنقاض بالمعدات الثقيلة
    مسح إشعاعي وكيميائي شامل
    تحديد مواقع الحاويات
    استخدام روبوتات أو فرق محمية
    نقل الأسطوانات إلى مناطق آمنة
    فحص سلامة حاويات غاز سداسي فلوريد اليورانيوم
    وفي حال تسرب المادة:
    تتحول إلى مركبات شديدة السمية عند ملامسة الرطوبة
    وتشكل خطراً كيميائياً حاداً على البيئة والإنسان
    سابعاً: هل يشكل خطراً إشعاعياً مباشراً؟
    الخطر موجود لكنه محدود:
    ليس مادة متفجرة
    لا ينتج انفجاراً نووياً تلقائياً
    الخطر الأساسي يكون عبر الاستنشاق والتلوث
    وفي حال القصف:
    يحدث تلوث موضعي
    وليس كارثة نووية واسعة النطاق مثل مفاعلات الطاقة
    ثامناً: هل تستطيع إيران إعادة بناء مخزونها سريعاً؟
    يعتمد ذلك على:
    حجم الأضرار في أجهزة الطرد المركزي
    سلامة المواد المخزنة
    استمرار البنية التقنية والصناعية
    لكن التقديرات تشير إلى أن إيران:
    تستطيع استئناف التخصيب خلال أسابيع إذا بقيت البنية الأساسية سليمة
    ويمكنها إعادة بناء مخزون كبير خلال أشهر إلى أقل من سنة
    لأنها تمتلك:
    المعرفة التقنية
    الخبرات البشرية
    منشآت موزعة تحت الأرض
    خاتمة
    يبقى السؤال الأخطر ليس حجم اليورانيوم المخصب في إيران، بل مكانه الحالي.
    لأن هذا التفصيل وحده يحدد:
    مستقبل التفاوض النووي
    احتمالات التصعيد العسكري
    ومعادلة الردع بين إيران وإسرائيل
    وفي النهاية، فإن أخطر ما في هذا الملف ليس التخصيب نفسه، بل الغموض الذي يحيط بالمخزون بعد الحرب.
شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram