خلال أقل من عقدين، دفع لبنان ثمناً هائلاً بسبب الحروب التي أدخل «حزب الله» البلاد فيها، من حرب تموز 2006، إلى التدخل العسكري في سوريا، وصولاً إلى حروب “الإسناد” المرتبطة بحرب غزة. النتيجة لم تكن تحرير اقتصاد ولا حماية دولة، بل انهياراً مالياً وعزلة عربية وخراباً واسعاً في بلد صغير بالكاد يستطيع احتمال أزماته الداخلية.
في حرب تموز 2006، تكبّد لبنان خسائر قاربت 10 مليارات دولار بين دمار البنى التحتية والجسور والمرافئ والمصانع والمنازل، إضافة إلى انهيار السياحة والاستثمار. يومها قيل إن لبنان انتصر، لكن الحقيقة أن الاقتصاد دخل بعدها مرحلة تراجع طويلة، وارتفعت الديون وتوسعت الفجوة بين لبنان والعالم العربي والمجتمع الدولي.
ثم جاء القرار الأخطر: تدخل «حزب الله» في الحرب السورية. هنا لم يعد لبنان متأثراً بالحرب فقط، بل أصبح طرفاً مباشراً فيها. هذا التدخل كلّف لبنان سياسياً واقتصادياً وأمنياً. تراجعت السياحة الخليجية، تقلصت الاستثمارات، وازدادت العقوبات والمخاطر المالية. كما تحمّل لبنان أعباء النزوح السوري الهائلة على الكهرباء والمياه والمدارس والمستشفيات وسوق العمل.
التقديرات الاقتصادية تشير إلى أن خسائر لبنان المباشرة وغير المباشرة من الحرب السورية وتداعياتها تجاوزت 20 مليار دولار خلال سنوات قليلة، بينما خسر البلد موقعه التقليدي كمساحة استقرار وخدمات وانفتاح عربي.
أما حرب “الإسناد” الأخيرة، فقد أعادت الجنوب إلى مشهد الدمار والنزوح. القرى الحدودية شُلّت بالكامل، المواسم الزراعية ضاعت، والمؤسسات والسياحة تلقت ضربة جديدة. وزير المال ياسين جابر أعلن أن الخسائر قاربت 20 مليار دولار، من دون احتساب الخسائر غير المباشرة الناتجة عن توقف الاستثمار وهروب الرساميل وتراجع الثقة الدولية بلبنان.
عملياً، تجاوزت كلفة الحروب التي ارتبطت بقرارات «حزب الله» عتبة الخمسين مليار دولار، في بلد يعاني أصلاً من انهيار مصرفي ومالي غير مسبوق. الأخطر أن هذه الحروب لم تكن محل توافق لبناني ولا قرار دولة، بل جاءت ضمن حسابات إقليمية مرتبطة بإيران ومحور الصراع في المنطقة.
المشكلة لم تعد فقط في حجم الخسائر، بل في طبيعة النموذج الذي فُرض على لبنان. بلد يحتاج إلى الاستقرار والسياحة والاستثمار جرى دفعه تدريجياً نحو اقتصاد الحرب والعقوبات والعزلة. وكلما حاول اللبنانيون التقاط أنفاسهم، دخلوا مواجهة جديدة يدفعون ثمنها من مستقبلهم ومدخراتهم وفرص أولادهم.
اليوم لم يعد السؤال إن كانت هذه الحروب حققت نفوذاً إقليمياً لـ«حزب الله»، بل ماذا بقي من لبنان بعد كل هذه المغامرات؟ فالدول تُقاس بقدرتها على حماية شعوبها واقتصادها، لا بقدرتها على البقاء في ساحات القتال المفتوحة.