تطرح مؤشرات التسوية الأميركية الإيرانية إشارات بالغة الخطورة حول مستقبل الدور الإيراني في لبنان، وحدود حضوره في معادلة القرار السياسي والأمني خلال المرحلة المقبلة. ويُعاد طرح سؤال السيادة اللبنانية في ظل تمسك طهران بدور الراعي غير المباشر لتوازنات الحرب والسلم في لبنان، عبر شبكة نفوذها التي يشكل حزب الله أبرز أدواتها.
إيران ولبنان: صراع على القرار والسيادة
تصر إيران على الحفاظ على موقعها كفاعل مركزي في الساحة اللبنانية، بما يتجاوز الإرادة الدستورية للدولة اللبنانية. ويأتي ذلك في وقت تُستخدم فيه أدوات الضغط، وعلى رأسها حزب الله، لضبط إيقاع القرار الداخلي ومنع انتقال لبنان إلى مسار تفاوضي مستقل بالكامل، يعيد رسم قواعد الاشتباك في الجنوب وعلى مستوى الدولة.
وقف إطلاق النار أم تثبيت الواقع؟
المقاربة الإيرانية المطروحة تقوم على وقف إطلاق نار شامل على مختلف الجبهات، أي تجميد الحرب دون معالجة جوهرية لمعضلة الاحتلال أو إعادة إنتاج توازن سيادي جديد. وهذا يعني عملياً إدارة الصراع بدل إنهائه، وتثبيت الوقائع العسكرية القائمة بدل تفكيكها عبر تسوية سياسية شاملة.
في المقابل، يتمسك لبنان بخيار مختلف يقوم على وقف الحرب بالتوازي مع إطلاق مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، بهدف مزدوج: انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيد الدولة ضمن مفهوم السيادة اللبنانية الكاملة.
المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية ومواجهة النفوذ الإقليمي
في هذا السياق، تعمل إيران على تعطيل أي مسار تفاوضي لبناني–إسرائيلي مباشر أو غير مباشر، إدراكاً منها أن نجاح هذا المسار سيقود إلى تحوّل جذري في بنية النفوذ داخل لبنان. فالتفاوض الناجح يعني عملياً إنهاء مرحلة ازدواجية القرار الأمني والعسكري، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً لمعادلة النفوذ التي بنتها طهران عبر سنوات.
لذلك، تسعى إلى إبقاء أي قنوات تفاوض ضمن إطار “الثنائي”، باعتباره جزءاً من منظومة نفوذها الإقليمي، وليس ضمن إطار الدولة اللبنانية حصراً.
جوزيف عون ونواف سلام وخيار التسريع
المعطيات السياسية تشير إلى أن الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام يتجهان نحو تعزيز خيار التفاوض وتسريعه، كمسار استراتيجي لكسر حالة الجمود وقطع الطريق على أي وصاية خارجية على القرار اللبناني. ويُنظر إلى هذا التوجه باعتباره محاولة لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة ومركزية قرارها السيادي.
حملات سياسية وتحذير من التصعيد
من هنا يمكن فهم تصاعد الحملات السياسية والإعلامية التي تستهدف رئاسة الجمهورية، وكذلك التحذيرات من “٧ أيار جديد”، كرسائل ضغط تهدف إلى تعطيل أي مسار تفاوضي رسمي، وإبقاء لبنان في دائرة التوازنات المفروضة بالقوة.
كما يمكن قراءة هذه التطورات في سياق محاولة إعادة فرض معادلات القوة داخل لبنان، في مواجهة أي انتقال نحو تسوية سياسية تعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة.
لبنان بين الدولة والوصاية
في المحصلة، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية تتقاطع فيها التسويات الإقليمية مع الصراع الداخلي على القرار السيادي. ولم يعد النقاش محصوراً في إدارة خلافات سياسية، بل في تحديد هوية من يملك حق التفاوض باسم الدولة اللبنانية.
فإما دولة تفاوض باسمها وتستعيد السيادة اللبنانية كاملة، وإما استمرار واقع الوصاية وتعدد مراكز القرار.
ويبقى مستقبل لبنان مرتبطاً بقدرة الدولة على تثبيت خيار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية كمسار وحيد للخروج من الاستنزاف السياسي والأمني، وإعادة التموضع في معادلات الشرق الأوسط الجديدة.