كتب النائب محمد رعد في صحيفة الأخبار مقالاً بدا كأنه بيان اتهامي بحق الدولة اللبنانية. الدولة، بحسب رعد، تفاوض من دون تفويض. تتبنى سردية الاحتلال. تؤجل وقف إطلاق النار. وتتهيأ للاستسلام.
باختصار، الدولة في نظر حزب الله متهمة لأنها تتصرف كدولة.
المفارقة أن هذا الاتهام يأتي من حزب يحتفظ بسلاح خارج الشرعية، ويعلن جهاراً أنه جزء من محور تقوده إيران، ويتخذ قرارات الحرب والسلم من خارج المؤسسات الدستورية، ثم يقرر أن يشرح لرئيس الجمهورية جوزيف عون وللحكومة اللبنانية حدود الشرعية وحدود التفويض.
أي تفويض يحتاجه رئيس الجمهورية للتفاوض؟ المادة 52 من الدستور تعطيه هذا الحق صراحة. هو لا يحتاج إلى إذن من حزب الله، ولا إلى توقيع من طهران، ولا إلى شهادة حسن سلوك من كتلة الوفاء للمقاومة.
رعد يقول إن الدولة تبنّت سردية الاحتلال. الحقيقة أن الدولة تبنّت سردية لبنان.
لبنان الذي اكتشف، بعد سنوات من التجارب المكلفة، أن السلاح الذي قيل إنه لحماية الداخل اللبناني استُخدم في سوريا والعراق واليمن، ثم زُجّ به في حرب “إسناد غزة” من دون قرار حكومي، ومن دون موافقة اللبنانيين، ومن دون أي حساب للكلفة الوطنية.
عندما تقرر الدولة حصرية السلاح، فهي لا تنفذ مطلباً إسرائيلياً. هي فقط تعلن أنها تريد أن تستعيد حقاً طبيعياً: أن تكون وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم.
رعد يقول إن المفاوضات تهدف إلى إنهاء المقاومة.
هذا غير صحيح.
المفاوضات تهدف إلى وقف الحرب، وإلى انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وإلى حماية لبنان من أي عدوان جديد.
إذا تحقق الانسحاب الكامل، واستعادت الدولة قرارها، فأين الاستسلام في ذلك؟
أم أن الانتصار، وفق قاموس حزب الله، هو أن يبقى لبنان معلّقاً على حبال التفاوض الإيراني الأميركي، وأن يبقى الجنوب صندوق بريد بين طهران وواشنطن؟
رعد يتحدث عن تأخير وقف إطلاق النار.
لكن السؤال البسيط هو: من الذي لم يعطِ جواباً واضحاً على المبادرات المطروحة؟
ومن الذي لا يريد إقفال الجبهة لأن بقاءها مفتوحة يمنح إيران ورقة تفاوض إضافية؟
ومن الذي يصر على أن يدفع اللبنانيون ثمن معارك لا قرار لهم فيها؟
ثم يأتي الحديث عن المقاومة بوصفها الضامن الوحيد للسيادة.
والحقيقة أن السيادة لا تكون عندما يقرر حزب واحد، منفرداً، إدخال البلد في حرب.
السيادة لا تكون عندما تصبح الحدود اللبنانية جزءاً من استراتيجية إقليمية.
السيادة لا تكون عندما تُختصر الدولة كلها بقرار تنظيمي يتخذ خارج مؤسساتها.
السيادة تكون عندما يكون في لبنان جيش واحد، وسلاح واحد، وقرار واحد.
أما أكثر ما يلفت في خطاب محمد رعد فهو استخدام كلمة “الاستسلام”.
إذا نجحت الدولة في تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل، وفرضت حصرية السلاح، وأعادت الاعتبار للمؤسسات، فهل يكون ذلك استسلاماً؟
أم أن الاستسلام الحقيقي هو تحويل لبنان إلى ورقة تستخدمها إيران ساعة تشاء، وتجمّدها ساعة تشاء، فيما يدفع اللبنانيون وحدهم الفاتورة؟
قبل 8 تشرين الأول 2023 لم يكن هناك تهديد وجودي للبنان.
التهديد الوجودي بدأ عندما قرر حزب الله أن لبنان ليس وطناً نهائياً للبنانيين، بل منصة متقدمة في مشروع إقليمي أكبر من لبنان وأصغر من أحلام اللبنانيين بدولة طبيعية.
مقال محمد رعد لا يدافع عن المقاومة.
هو يدافع عن حق حزب الله في أن يبقى فوق الدولة.
وفي كل مرة يتحدث فيها الحزب عن السيادة، يذكّر اللبنانيين بأن مشكلتهم لم تكن يوماً في وجود دولة تفاوض، بل في وجود حزب يفاوض على بقاء الدولة نفسها.