في لبنان، لا يعود التفاوض مع إسرائيل مجرّد ملف دبلوماسي أو أمني. يتحوّل إلى ساحة صراع داخلي على من يملك حق التمثيل، ومن يقرر، ومن يفاوض باسم الدولة أو فوقها أو حتى من دونها.
في هذا السياق، تتقدّم إلى الواجهة معطيات سياسية وإعلامية تشير إلى قنوات تواصل غير مباشرة جرى فتحها عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، من خلال مستشاره علي حمدان، وبواسطة تواصل مع الصحافي الأميركي–الإسرائيلي براك رافيد، المعروف بقربه من دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب. ليست المسألة هنا في طبيعة الوسيط أو دقة التسريبات، بل في الدلالة السياسية لما يجري: محاولة واضحة لإبقاء زمام التفاوض في يد واحدة.
ما يظهر في الجوهر هو أن بري لا يتعامل مع ملف التفاوض بوصفه مساراً رسمياً للدولة اللبنانية، بل بوصفه مساحة نفوذ يجب ألا تُسحب منه. من هنا يمكن فهم الكثير من المواقف والتوترات، بما فيها التشكيك بأي مسار تفاوضي تقوده رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة، أو حتى محاولة تقزيمه سياسياً وإعلامياً.
المشكلة ليست في وجود قنوات تواصل، فهذا واقع فرضته التطورات الإقليمية. المشكلة في الإصرار على أن تكون كل القنوات تمرّ عبر بوابة واحدة، وكأن الدولة اللبنانية لا تملك مؤسساتها، وكأن التفاوض شأن شخصي أو فئوي يمكن احتكاره وإدارته وفق ميزان نفوذ داخلي.
رفض اتفاق وقف إطلاق النار، في هذا السياق، لا يبدو مجرد موقف سياسي تفاوضي. بل يُقرأ كرسالة مزدوجة: لا اتفاق خارج الشروط التي يحددها صاحب النفوذ، ولا مسار يمكن أن يُبنى بعيداً عن موقعه المركزي. أي أن الهدف ليس فقط التأثير على مضمون التفاوض، بل احتكاره بالكامل.
وهنا تكمن الخطورة. حين يتحول التفاوض من أداة دولة إلى أداة زعيم، ومن مسار سيادي إلى امتداد لنفوذ سياسي، يصبح الحديث عن الدولة مجرد تفصيل لغوي. فالدولة في هذه الحالة لا تفاوض، بل تُستَخدم كغطاء لتعدد قنوات لا تخضع لمنطق واحد.
في المقابل، تتعرض رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة لحملات تخوين وتشكيك، وكأن مجرد محاولة تنظيم التفاوض ضمن إطار رسمي موحّد باتت تهديداً لمعادلات قائمة. لكن جوهر الصراع ليس بين مؤسسات وشخصيات فقط، بل بين مفهومين: دولة تفاوض باسمها مؤسساتها، أو منظومة قوى تفاوض الدولة باسمها.
في النهاية، ما يجري ليس نقاشاً حول الوسيط أو القناة أو التوقيت. إنه صراع على من يملك القرار النهائي: هل هو الدولة اللبنانية بمؤسساتها، أم من اعتاد أن يكون البوابة الإلزامية لكل شيء، حتى التفاوض على الحرب والسلم؟
الرئيسية
الموقف اليوم_بري من هوكستين الى رافيد: أنا المفاوض.. وليس أنتم
- by arab files
- يونيو 6, 2026
- 0 Comments
- Less than a minute
- ساعة واحدة ago
