الليلة، وللمرة الأولى منذ عقود، يُكتب في المشهد اللبناني ما يشبه لحظة كسر تاريخي: توقيع اتفاق بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، لا يمكن التعامل معه كخبر دبلوماسي عابر، بل كلحظة انتقال من زمن إلى زمن، ومن منطق إلى نقيضه.
ما يجري ليس “إعلان نوايا” كما يحاول البعض تخفيفه لغوياً، بل توقيع فعلي على مسار سياسي–أمني جديد، يبدأ بترتيبات ميدانية في الجنوب، ويُفترض أن يفتح الباب أمام انسحاب تدريجي من مناطق محددة، مقابل ضمانات تمنع عودة أي قوة غير الدولة إلى تلك المناطق. هذه ليست تقنية تفاوضية، بل إعادة تعريف لمن يملك الأرض ومن يملك القرار.
في العمق، يسقط الليلة واحد من أكثر المشاريع رسوخاً في لبنان: فكرة أن السلاح خارج الدولة هو شرط “الحماية”. فالاتفاق، بصيغته المطروحة، يقوم على عكس هذه المعادلة تماماً: لا حماية خارج الدولة، ولا استقرار مع ازدواجية القرار. وهذا بحد ذاته ضربة مباشرة للسردية التي راكمتها إيران عبر سنوات طويلة من تحويل لبنان إلى ساحة اشتباك دائمة، وإلى ورقة تفاوض في سوق الإقليم.
إيران، التي أدارت لبنان كامتداد وظيفي لنفوذها، تجد نفسها أمام لحظة غير مريحة: تسوية لا تمر عبرها، ولا تحتاج إلى هندستها، بل تقوم على تقليص دورها أصلاً في لبنان، عبر سحب وظيفة السلاح كأداة تعطيل وابتزاز سياسي. وفي هذا المعنى، لا يعود الاتفاق مجرد ترتيب حدودي، بل بداية تفكيك بنية نفوذ كاملة.
ردّ الفعل المتوقع من حزب الله ليس تفصيلاً. فالمسألة لا تتعلق بمنطقتين تجريبيتين أو ترتيبات ميدانية محدودة، بل بمسار إذا اكتمل، يعني عملياً نزع الذريعة التي تأسس عليها دوره منذ البداية: أن لبنان لا يُحمى إلا خارج الدولة، وأن السلاح هو شرط الوجود السياسي.
في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية، للمرة الأولى منذ زمن طويل، في موقع مختلف. رئيس الجمهورية جوزاف عون، ومعه مؤسسات الدولة، يبدون وكأنهم يلتقطون لحظة دولية نادرة: انتقال الملف اللبناني من إدارة الفوضى إلى محاولة إنتاج استقرار تدريجي. ليست مهمة سهلة، ولا مساراً مضمون النتائج، لكنها المرة الأولى التي يُطرح فيها مفهوم القرار السيادي كخيار قابل للتطبيق، لا كشعار دفاعي.
الأهم في اتفاق الليلة أنه لا يَعِد فقط بوقف تصعيد أو تهدئة، بل يفتح الباب أمام نموذج مختلف بالكامل: لبنان بلا مناطق خارجة عن منطق الدولة، ولو على مراحل. وهذا وحده كفيل بإعادة خلط كل المعادلات التي حكمت البلد منذ 2006 وما قبل.
لكن السؤال الحقيقي يبقى: هل نحن أمام بداية تفكيك منظومة نفوذ إقليمي في لبنان، أم أمام هدنة طويلة تُدار فيها التناقضات بوسائل جديدة؟
الجواب سيتوقف على ما إذا كانت الدولة ستنجح في تحويل لحظة التوقيع هذه إلى مسار، لا إلى محطة.
أخبار لبنان
الرئيسية
النشرة المسائية
مقالات خاصة
المسائية- درس الاتفاق: لبنان ليس للبيع إذا قرر أن لا يباع فيه ويشترى
- by Mohammad Ahmad
- 0 Comments
- Less than a minute
- ساعة واحدة ago
