يونيو 17, 2026
الأحداث الإقليمية

الروبوتات القاتلة: الذكاء الاصطناعي يغير قواعد الحروب

الروبوتات القاتلة: الذكاء الاصطناعي يغير قواعد الحروب

لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أسلحة منخفضة التكلفة تُدار عن بُعد، بل دخلت حقبة نوعية جديدة إثر دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في تصميمها وتشغيلها. تحوّلت هذه الطائرات تدريجياً إلى “أنظمة ذكية” قادرة على الرصد، التتبع، واتخاذ قرارات الاشتباك بشكل مستقل دون تدخل بشري مباشر.

يمنح هذا التحول الجذري الجيوش قدرات استثنائية تُعيد رسم شكل الحروب الحديثة، لكنه يثير في الوقت عينه مخاوف عميقة من مستقبل تملك فيه “الآلات الذكية” صلاحية اختيار أهدافها، وتقرر وحدها “من يعيش ومن يموت”. وتشكّل الحرب الروسية الأوكرانية المختبر الأبرز لهذا التحول التكنولوجي.

أوكرانيا: من مسيّرات تجارية إلى “صائدي المسيرات”

بدأ الجيش الأوكراني في آب 2025 بنشر طائرات اعتراضية مسيّرة يقودها بشر. وسرعان ما طورت كييف مسيّرة “بي- 1 صن” (B-1 Sun)، وهي من أوائل الطائرات الاعتراضية العاملة بالذكاء الاصطناعي، وفقاً لصحيفة “نيويورك تايمز”. وأعلنت شركة “سكاي فول” الأوكرانية أن مسيّراتها نفذت عشرات الضربات المدعومة بالذكاء الاصطناعي منذ تشرين الثاني 2025، بالاعتماد على خوارزميات دُربت على بيانات الحرب الهائلة.

ويوضح الباحث السياسي الأوكراني خليل عزيمة لـ”العربية.نت” و”الحدث.نت”، أن ضغوط الحرب دفعت كييف لتسريع تطوير قطاع المسيّرات ليصبح ركيزة دفاعية. وبيّن أن أوكرانيا انتقلت من المسيّرات التجارية المعدلة إلى إنتاج محلي واسع، يشمل طائرات هجومية بعيدة المدى لضرب العمق الروسي، ومسيّرات انتحارية رخيصة.

وبرزت استثمارات كييف في “صائدي المسيرات”، وهي طائرات ذكية ورخيصة تتعقب وتُسقط المسيّرات الروسية، معتمدة على رؤية حاسوبية تقلل الحاجة لإشارات الملاحة المعرضة للتشويش. ويرى عزيمة أن دمج البرمجيات في منصات رخيصة جعل من أوكرانيا “مُصنّعاً ومطوّراً” لحروب المستقبل.

النقلة النوعية الروسية: استقلالية تامة

في المقابل، وضعت موسكو منذ نيسان 2026 تطوير المسيّرات الذكية ضمن أولوياتها بتوجيه مباشر من الرئيس فلاديمير بوتين، بحسب تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS). ولا تركز روسيا على ابتكار ذكاء خارق، بل على تحويل التطبيقات المحدودة لميزة قتالية واسعة النطاق تعتمد على السرعة، التكلفة المنخفضة، والتحديث الميداني المستمر.

وكشف التقرير عن ظهور مسيّرة “V2U” الروسية المستقلة كلياً، والتي تمثل نقلة نوعية بقدرتها على الطيران والملاحة بدون اتصال خارجي أو نظام “جي بي أس” (GPS)، والعمل في بيئات مشوشة، واختيار الأهداف وضربها ذاتياً.

ويؤكد الأستاذ المشارك بالأكاديمية الرئاسية الروسية، عمرو الديب، حدوث “تطور نوعي” في المسيّرات الروسية، مشيراً إلى تحولها من أدوات استطلاع إلى أنظمة قتالية تعتمد برامج روسية خاصة غيّرت قواعد الاشتباك. ومع ذلك، يعتبر الديب أن الذكاء الاصطناعي يبقى عاملاً مساعداً يتطلب مبرمجين لابتكار النماذج، ولا يحقق التفوق العسكري منفرداً.

سباق الهيمنة وحروب الخوارزميات

تُجمع التقارير على أن سباق الذكاء الاصطناعي سيحدد النظام العالمي والأمن القومي. ويشير تقرير “المجلس الأطلسي” إلى أن الحروب المستقبلية ستُحسم بسرعة معالجة البيانات، وأن “حروب الخوارزميات” ستكون السمة الأبرز للصراعات المقبلة.

وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ الذكاء الاصطناعي بجامعة الإسكندرية، د. أحمد بهاء خيري، أن المسيّرات الذكية باتت الأدوات الأكثر تأثيراً، وانتقلت من الاستطلاع إلى الاشتباك المستقل. ورغم استمرار الإشراف البشري في معظم الجيوش حالياً، إلا أن الاتجاه يتسارع نحو تطوير “أسلحة فتاكة ذاتية التشغيل”.

“الروبوتات القاتلة”: تهديد وجودي وأخلاقي

مع اقتراب عصر الأسلحة الذاتية التامة، تحذر الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر من تسليم قرارات الحياة والموت لـ”خوارزميات ذكية”، كون الآلات تعجز عن تقييم الظروف الإنسانية المعقدة، ما ينتهك القانون الدولي الإنساني. كما نبّه المركز الدولي لمكافحة الإرهاب من احتمال وقوع هذه التقنيات بيد التنظيمات المسلحة.

ويطرح د. خيري تساؤلات جوهرية حول المسؤولية القانونية والأخلاقية: إذا أخطأت الآلة المستقلة وقتلت مدنيين، هل يتحمل المسؤولية المبرمج، أم القائد، أم الجهة المصنعة؟ محذراً من أن السرعة الفائقة للأنظمة الذكية قد تؤدي لتصعيد النزاعات بوتيرة تفوق قدرة البشر على احتوائها.

ويختم خيري مقارناً أثر الذكاء الاصطناعي العسكري بظهور السلاح النووي من حيث إعادة تشكيل مفاهيم القوة، مع فارق خطير يكمن في أن الأنظمة الذكية تعتمد على برمجيات ومكونات يمكن إنتاجها ونشرها بتكاليف أقل بكثير من الأسلحة النووية المعقدة.