يتجدّد الاستهداف للنائب وضاح صادق في مشهد لم يعد غريبًا على الحياة السياسية اللبنانية، حيث تتحوّل كل محاولة لرفع الصوت بوجه واقع السلاح الخارج عن الدولة إلى حملة تخوين وتهديد وهدر دم. ما يتعرّض له صادق اليوم ليس حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في مسلسل طويل من الضغوط التي تطال كل من يطالب بتطبيق القانون وبسط سلطة الدولة، خصوصًا حين يكون الصوت صادرًا عن نائب بيروتي يلامس يوميًا تداعيات هذا الواقع على العاصمة وسكّانها.
صادق، الذي اختار منذ دخوله الندوة البرلمانية أن يكون صريحًا في مقاربة ملف السلاح غير الشرعي وتداعياته، يدفع ثمن مواقفه بشكل متكرر. في كل مرة يفتح فيها ملفًا حساسًا، سواء ما يتعلق بالمطار أو بالتعديات على أراضي بيروت أو بانتشار السلاح في الأحياء السكنية، تُستحضر الحملات نفسها: تخوين، تحريض، ومحاولات ترهيب منظمة تهدف إلى إسكات الصوت وإعادة رسم حدود المسموح والممنوع في الخطاب السياسي.
هذه الحملة الأخيرة تأتي في سياق أوسع، حيث ينخرط ما يمكن وصفهم بأزلام النظام الإيراني في معركة إعلامية وسياسية مفتوحة ضد كل من يطالب بالدولة. المفارقة أن هذه الأصوات، التي ترفع سقف التخوين والتحريض، تتجاهل التحولات داخل بيئة حزب الله نفسها، حيث تتزايد الأسئلة والضغوط الاجتماعية والمعيشية، فيما يجد كثيرون أنفسهم على هامش الاهتمام بعد سنوات من الانخراط في مشروع لم يعد قادرًا على تأمين الحد الأدنى من الاستقرار لهم.
في المقابل، يتجه التصويب نحو النواب والقوى السيادية الذين يرفعون شعار الدولة، في محاولة لقلب المشهد: من مساءلة السلاح ودوره، إلى مهاجمة من يطالب بتنظيمه ضمن إطار شرعي. هكذا تُوزَّع تهم العمالة، وتُطلق حملات التحريض، ويُلوَّح بخطاب خطير يصل إلى حد هدر الدم، في سابقة تهدد ليس فقط الأفراد المستهدفين، بل الحياة السياسية برمّتها.
بيروت، التي يفترض أن تكون مساحة جامعة لكل اللبنانيين، تبدو اليوم في قلب هذا الصراع. نائبها الذي ينقل وجعها ويعبّر عن هواجس أهلها يجد نفسه في مواجهة آلة منظمة، فقط لأنه يرفض تحويل المدينة إلى ساحة مفتوحة للسلاح والفوضى. ومع ذلك، يستمر صادق في مواقفه، مستندًا إلى شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يرون في خطاب الدولة خلاصًا وحيدًا من الانهيار المستمر.
في النهاية، ما يجري يتجاوز شخص وضاح صادق. هو اختبار حقيقي لقدرة اللبنانيين على حماية ما تبقى من مساحة حرية سياسية، وعلى مواجهة منطق الترهيب الذي يسعى إلى فرض أمر واقع بالقوة. بين مشروع الدولة ومشروع الدويلة، تتكرّس معركة مفتوحة، عنوانها الأساسي: من يملك القرار في لبنان، ومن يجرؤ على قول الحقيقة.