يخوض الإعلام الإسرائيلي في سنوات الحرب الممتدة بين 2023 و2026 معركة لا تقل ضراوة عن المواجهات الميدانية، حيث تحول من فضاء للنقد السياسي إلى أداة مركزية في صياغة “الرواية الوطنية” الموحدة. هذا المشهد ينقسم بحدة بين تيارين، الأول هو الإعلام المؤيد لنتنياهو والمتمثل بوضوح في “القناة 14” وموقع “إسرائيل هيوم”، حيث يتبنى هذا التيار خطاباً تعبوياً صرفاً يقدس القوة العسكرية ويهاجم أي محاولة للحديث عن تسويات سياسية أو صفقات لتبادل الأسرى قد تنهي الحرب. في هذا المعسكر، تغيب تماماً صورة الضحية الفلسطينية أو اللبنانية، ويتم استبدالها بصورة “العدو المطلق” الذي يجب سحقه، مع ممارسة تحريض مباشر ضد قادة الجيش والشاباك الذين يتهمهم هذا الإعلام بـ “الوهن” أو التآمر ضد اليمين.
على الضفة الأخرى، يبرز الإعلام الذي يصنف نفسه “معارضاً” أو “ليبرالياً”، وتقوده القناتان 12 و13 وصحيفة “يديعوت أحرونوت”. ورغم أن هذا التيار يشن هجوماً كاسحاً على شخص نتنياهو وفشله في إدارة الأزمات وقضايا الفساد المحيطة به، إلا أنه في جوهر تغطية الحرب يظل وفياً للسردية العسكرية الرسمية. المفارقة هنا تكمن في أن المشاهد الإسرائيلي لهذه القنوات يرى نقداً لاذعاً للحكومة، لكنه في الوقت ذاته يتعرض لعملية “تعتيم طوعي” عن آثار الحرب الإنسانية في غزة أو بيروت؛ إذ يمارس الصحفيون في هذه المؤسسات رقابة ذاتية صارمة نابعة من الخوف من اتهامهم بـ “خيانة الروح القتالية” أو “إضعاف الجبهة الداخلية” في وقت الحرب.
أما الاستثناء الوحيد والأكثر إثارة للجدل فهو صحيفة “هآرتس” التي تسبح عكس التيار، حيث تتبنى خطاباً ينتقد جوهر الحرب وتكلفته الأخلاقية والقانونية، مما جعلها هدفاً مباشراً للعقوبات الحكومية والمقاطعة الرسمية. وبشكل عام، فإن الفوارق بين هذه التيارات تتلاشى تماماً عندما يتعلق الأمر بالرقابة العسكرية التي فرضت في عامي 2025 و2026 قبضة حديدية لم يشهدها الإعلام الإسرائيلي منذ عقود. لم تعد الرقابة تكتفي بحذف المعلومات الأمنية الحساسة، بل توسعت لتشمل منع نشر أي بيانات عن مواقع سقوط الصواريخ بدقة، وتفاصيل العمليات البرية المتعثرة، بل ووصلت إلى حد منع البث المباشر في ظروف معينة بحجة حماية الأمن القومي.
هذه الرقابة الصارمة مدعومة بتشريعات قانونية “قانون الجزيرة” الذي سمح بإغلاق مكاتب إعلامية أجنبية، مما خلق بيئة إعلامية مغلقة لا تسمح إلا بتداول المعلومات التي يمررها المتحدث باسم الجيش. النتيجة النهائية هي إعلام إسرائيلي ممزق سياسياً حول “هوية الحاكم”، ولكنه موحد ومقيد رقابياً حول “ضرورة الحرب”، وهو ما يفسر الفجوة الهائلة في الوعي بين ما يستهلكه المواطن داخل إسرائيل وما يراه بقية العالم عبر الشاشات الدولية، حيث يعيش الجمهور الإسرائيلي داخل “فقاعة إعلامية” محكمة البناء والرقابة.