كتب جهاد بزي في موقع درج:
“البيروتي الذي لم يترك بيروت صار من روحها. يمشيها كلّها، يسلّم على ناسها بعينيه المبتسمتين الحزينتين، ويمضي في مشيه فوق بحرها ثم يعود. يوقظ الناس فجراً، لا ليقوموا إلى سحورهم، بل ليروا كم بيروت حلوة صباحاً. يصبح عليهم وعليها، يبوس خدّها وتبوس خدّه.
“شو هاي؟” سألته وذراعه تمتد إلى علبة دخان ليست له ليستعير سيجارة. كانت الحمرا في الشهر الأول من هذا العام أليفة لي على نحو رقيق، أنا الذي في لبنان في زيارة من غير موعد، لوداع أخي الذي لم يستيقظ من نومه، لأواسي أقماره الأربعة، والتواسي بهم.
كنا، عماد وحسان وأنا، تواعدنا على لقاء عباس بيضون. لكن “بيروت إكسبرس” أو “عبد الله” أو كائناً ما كان اسم المكان وهويته، يبدو أنه بات البديل الأخير لمثقفي الحمرا، لكتابها العتاق، منهم عباس الشاب أبداً، ومنهم شوقي بزيع الذي يقف بأناقة مفرطة تشبه لغته، ويحكي بانسيابية تشبه شعره، ومنهم أحمد الذي يشعل الآن سيجارته يستعيرها ويعلم أنه لن يعيدها لصاحبها. يجيبني: “كل يوم بيومه”.
أعرف ما لست بحاجة إلى السؤال عنه. أعتب مع ذلك على نفسي لتذكير لا معنى له بمرضه حالياً، ونحن نستمتع بهذا الطقس الرخو لبيروت ونطلب من عباس أن يخبرنا، من جديد، عن تلك الواقعة الشهيرة لمهدي عامل يلقي على الرفاق قصيدة حين ينهيها ويسألهم عن رأيهم فيها، يقطع عباس الصمت الذي ساد بمقولته التاريخية: هذه قصيدة كان بالإمكان تلافيها.
لم يحك كثيراً يومها، لكنه لم يبدُ مستسلماً. حتى أنه قال إنه ينتظر عودة شعره كي يصوّر فيديو كليب لأغنية جديدة. هذا على الأرجح ما قصده بكل يوم بيومه. يشرب الآن القهوة، ويذهب غداً إلى تكريمه في المجلس الثقافي لأبناء لبنان الجنوبي. يسجل أغنية. يضطر إلى الجلوس على خشبة المسرح مصراً على إكمال “أناديكم” حتى نهايتها. يستمر بالحياة. يستمر بنثر لطفه في هواء المدينة وعلى ناسها. يستمر إلى لحظته الأخيرة في محاولة التعبير عن حبه الشفيف لبيروت، كيفما استطاع إلى التعبير سبيلاً.
أحمد قعبور مصنوع من لطف صافٍ، يشبه صوته الذي لا نتذكر متى التقينا به للمرة الأولى، لأنه، ومعه رفيقاه مارسيل خليفة وزياد الرحباني، موجودون دائماً خلال آخر خمسين سنة من حياة هذا البلد، التي بدأت بحرب أهلية واستمرت بعدها. وهم استمروا مع هذه الفترة يتسللون إلى ذاكرة الأجيال اللبنانية المتتابعة، ويرسخون فيها حضورهم، هكذا، من دون إدراك دقيق لأساسيتهم وتجذرهم في كتابة حكايتنا اللبنانية الطويلة.
وأحمد البيروتي ليس ابن الحرب الأهلية حصراً. لم يعبّر عن صراعها بقدر ما عبّر عن زمانها الذي بات الآن بعيداً، سواء في بيروت أو الجنوب أو فلسطين. أحمد روى التاريخ ووثّقه على طريقته، بأعمال تحوّلت لحظة غنائها إلى أعمال خالدة، من “أناديكم” إلى “يا ستي” وصولاً إلى آخرها. لكنه لم ينسحب إلى الخلف مع نهاية الحرب والأفكار “الكبيرة”. بقي لديه الكثير ليعطيه إلى “الناس”، هذه الكلمة التي يحبها ويعود إليها دائماً. كان لديه مخزون هائل من الشجن والحنين، وربما الحزن العميق المقيم فيه، لم يخف شغفه يوماً عن التعبير عنه، وعن التعبير عن أمل ما، جميعنا محكوم فيه على ما يقول سعد الله ونوس، وإن كنا لا ندري ما إذا كان وهماً، لكننا نتعلق به كي نستمر، كل يوم بيومه.
أحمد استمر، من بدايته حتى النقطة الأخيرة في سطر حياته، هكذا، يوماً بيوم، فناناً شعبياً لا تنقصه الثقافة ولا الوعي السياسي. وقبل كل هذا وبعده، ظلّ بموهبة فائضة في الكتابة والتلحين، وبعذوبة طبيعية في الصوت، وبهبة من الله لا تنضب من الرقة؛ روحٌ حلوة لا تترك إلا أثراً طيباً.
الجنوبي من الخيام والنبطية وكفركلا، الفلسطيني من الجليل إلى غزة، لا يغادر في رحيله حبّه الأول. هو، إذ يموت، ينثر روحه في هواء بيروت وشوارعها وكورنيشها، كما نثر فيها موسيقى ولطفاً.
البيروتي الذي لم يترك بيروت صار من روحها. يمشيها كلّها، يسلّم على ناسها بعينيه المبتسمتين الحزينتين، ويمضي في مشيه فوق بحرها ثم يعود. يوقظ الناس فجراً، لا ليقوموا إلى سحورهم، بل ليروا كم بيروت حلوة صباحاً. يصبح عليهم وعليها، يبوس خدّها وتبوس خدّه”.
