إن اختيار “Epic Fury” (غضب ملحمي) و”زئير الأسد” ليس صدفة: فخلف أسماء الحروب تختبئ استراتيجية كاملة تهدف إلى تشكيل الوعي العام ● بينما تعتمد واشنطن لغة درامية تُذكّر بأفلام هوليوود، تتجه إسرائيل إلى التاريخ والرموز القومية ● في المقابل، يرى منتقدون أن هذه مجرد بلاغة منفصلة عن الواقع
في مقطع فيديو انتشر على شبكات التواصل الاجتماعي، يروي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كيف تثاءب عندما عُرضت عليه اقتراحات لتسمية العملية العسكرية ضد إيران. وقال للجمهور في تجمع جماهيري: “أعطوني نحو 20 اسمًا وكدت أن أنام”. وأضاف أنه فقط عندما صادف اسم “Epic Fury” (غضب ملحمي)، لفت ذلك انتباهه. “رأيته وقلت: أنا أحب هذا الاسم”.
في الولايات المتحدة، تتزايد عمومًا الانتقادات للطريقة التي يتم بها تقديم الحرب للجمهور، بدءًا من الاسم الذي اختير للعملية وصولًا إلى الخطاب والصور المرافقة لها. تقرير نُشر هذا الأسبوع في صحيفة “فايننشال تايمز” يسلط الضوء على انتقادات حادة للرسائل الصادرة عن البيت الأبيض والبنتاغون، والتي تتسم بلغة درامية وعدوانية للغاية، تُظهر الولايات المتحدة كقوة جبارة لا تعرف الرحمة، باستخدام صور أقرب إلى الثقافة الشعبية وأفلام الأكشن وحتى ألعاب الفيديو.
ويُنظر إلى اختيار الاسم كجزء من هذا التوجه، اسم يركز على القوة والدراما والتأثير، أكثر مما يعكس تعقيد الصراع العسكري.
كما أن الطريقة التي تُعرض بها العمليات العسكرية، بما في ذلك مقاطع فيديو تُحاكي ألعاب الفيديو وتبرز إصابات دقيقة للأهداف، تُعد جزءًا من استراتيجية إعلامية أوسع. وتهدف هذه إلى إظهار تفوق الجيش الأمريكي للجمهور في الوقت الحقيقي.
ويرى منتقدون أن هذه بلاغة منفصلة عن واقع اتخاذ القرار في زمن الحرب، بل وتُخفي التداعيات الإنسانية للقتال. وبحسبهم، فإنه بخلاف الماضي، حيث كانت الدعاية العسكرية أكثر تحفظًا، فإن اللغة والصور اليوم تُقرّب الحرب من عوالم الترفيه، إلى درجة يصبح معها الحد الفاصل بين الواقع والتمثيل غير واضح.
يشرح الدكتور يوآف فرومر، رئيس مركز دراسات الولايات المتحدة في جامعة تل أبيب، لصحيفة “غلوبس” أن “ترامب اختار اسم فيلم، لأنه ينظر ويفسر كل شيء، بما في ذلك العلاقات الدولية والحرب، من خلال عدسة التلفزيون. حتى الحرب بالنسبة له هي برنامج واقع آخر، ولهذا أيضًا تم اختيار وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث لدور البطولة”.
اختيار أسماء العمليات ليس مجرد مسألة تقنية، بل جزء من جهد أوسع لبث القوة والردع. وبهذا المعنى، فإن اسمًا مثل “Epic Fury” يواصل تقليدًا من الأسماء الدرامية التي تهدف إلى إحداث تأثير واضح، سواء لدى الجمهور أو لدى العدو.
فمثلًا، “عاصفة الصحراء” (Desert Storm) التي استُخدمت لعملية تحرير الكويت في حرب الخليج عام 1991، أوحت بهجوم سريع وكاسح. وكذلك “العدالة اللامتناهية” (Infinite Justice)، الاسم الأصلي للعملية الأمريكية في أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر، و”الرعد المتدحرج” (Rolling Thunder)، حملة القصف الأمريكية في فيتنام.
على الجانب الآخر، في طهران، لم يبحثوا عن اسم جذاب، بل عن اسم يحمل دلالة دينية عميقة. فقد اختار النظام الإيراني تسمية الحرب بـ”الوعد الصادق” — وهو تعبير مأخوذ من آية في القرآن، يعد المؤمنين بأنهم سيرثون الأرض.
توضح عيديت بار، الباحثة والمحاضِرة في شؤون العالم العربي والإسلامي، أن استخدام مصطلح مثل “الوعد” ليس عشوائيًا. بالنسبة للجمهور المستهدف، هو لفظ مشحون بالدلالات، يثير ارتباطات دينية عميقة ويعزز الشعور بأن الأمر ليس مجرد صراع عسكري، بل معركة ذات بُعد إيماني ومصير تاريخي.
وتضيف: “عندما يستخدم النظام الإيراني هذا الاسم، فهو يُلمّح إلى أن الصراع هو تحقيق لوعد إلهي، ويؤطر المواجهة كجزء من الصراع الكبير بين معسكر الإيمان — الذي تمثله إيران في نظره — ومعسكر الطغيان، أي الغرب وإسرائيل”.
وتستند هذه الرؤية أيضًا، بحسبها، إلى أساطير تاريخية مركزية في الإسلام، مثل معركة كربلاء — وهو حدث بارز في التاريخ الشيعي، قُتل فيه الحسين بن علي، حفيد النبي محمد، بعد خروجه ضد حكم اعتبره فاسدًا وظالمًا. ومنذ ذلك الحين، يُنظر إليه كرمز للنضال الأخلاقي ضد الظلم، حتى بثمن التضحية الشخصية.
وتختتم بار: “هذه البلاغة تخدم عدة أهداف في آن واحد: فهي تهدف إلى رفع المعنويات داخليًا لدى المؤيدين والمقاتلين، وفي الوقت نفسه تبث رسالة إلى الخارج مفادها الثقة بعدالة القضية وحتى بالنصر”.
كما استخدم حزب الله الاسم نفسه عام 2006 خلال عملية خطف الجنود على الحدود اللبنانية، وأصبح مع مرور الوقت بمثابة “علامة تجارية”. وقد تبنّت إيران الاسم، وتستخدمه منذ أبريل 2024 في كل مواجهة أو هجوم مع إسرائيل، بحيث تُعرف الحرب الحالية فعليًا باسم “الوعد الصادق 4”.
وتقول بار: “لدى حزب الله مخزون واسع من الأسماء المستندة إلى القرآن. على سبيل المثال، الاسم الذي اختير للهجوم الأخير على إسرائيل هو ‘القَشّ المأكول’. وهنا أيضًا نحن أمام تعبير مأخوذ من سورة الفيل في القرآن، التي تروي تدخلًا إلهيًا ضد حاكم حاول غزو مكة. والرمزية واضحة: هذا هو مصير من يهاجم معسكر الإيمان”.
أما في إسرائيل، فقد برر رئيس الوزراء استخدام رمز الأسد في اسم “زئير الأسد” عند بدء العملية، بالإشارة إلى أنها اندلعت في تاريخ المعركة التاريخية في تل حي، حيث قُتل يوسف ترومبلدور، وأُقيمت تخليدًا لذكراه “نُصُب الأسد الزائر”.
لكن للأسد دلالة أخرى مهمة أيضًا — فهو رمز تاريخي ارتبط بإيران قبل الثورة الإسلامية، وكان يظهر على علمها في عهد الشاه.
والرسالة هنا مزدوجة: داخليًا، هي محاولة لتأطير الحدث كصراع عادل ضد نظام متطرف؛ وخارجيًا، وخاصة تجاه الإيرانيين أنفسهم، فهي إشارة إلى أن الصراع ليس ضدهم، بل ضد نظام الملالي.
إن اختيار رمز مألوف ومشحون مثل الأسد يتيح لإسرائيل التلميح إلى أن هدف المواجهة ليس عسكريًا فقط، بل يشمل أيضًا تغيير النظام