الجيش اللبناني بين الهجوم والسيادة

كتبت مي عبدالله:
تظهر الكثير من الفيديوهات المنتشرة على مواقع التواصل الإجتماعي، نساء ورجالاً يشتمون الجيش اللبناني ويرفعون الاصبع في وجهه، ويوجهون إليه اتهامات بالعمالة وبأنه جيش خائن، وصلت الى حد وصف البعض له بأنه “جيش لحد”.

مشهد يطعن بفكرة الدولة نفسها، ولعله متوقع من بيئة حزب لا تعترف بقيمة الدول بل الميليشيات.

ما أشبه اليوم بالامس!
لنعد بالذاكرة قليلا، فبعد تحرير الجنوب عام 2000، حين طُرح مطلب انتشار الجيش اللبناني على الحدود لتكريس سيادة الدولة، اعتبر حزب الله وحلفاؤه يومها أن هذا المطلب “مطلب اسرائيلي”. وقيل إن اسرائيل تريد أن يحل الجيش مكان المقاومة وأن يتحول الى حارس للحدود، وكانت الوصاية السورية آنذاك ترفض أيضاً مطلب إرسال الجيش إلى الجنوب، حفاظاً على ورقة المقاومة مفتوحة في الصراع مع إسرائيل، لا سيما مع إبقاء ملف مزارع شبعا عنواناً لاستمرار العمل العسكري.

وفي ظل الهجوم المستمر على الجيش، تتجلى اليوم أبعاد جديدة للضغوط السياسية عليه. فاتفاق وقف اطلاق النار في تشرين الثاني 2024، الذي وافق عليه حزب الله وصاغه بالتنسيق مع “الأخ الأكبر”، أُجبرت الدولة اللبنانية على قبوله واعتبره كثيرون اتفاقاً مذلاً، وبموجبه فُرض على الدولة، تحت أمر واقع، أن تدير الأزمة وملف الصراع برمته في ظل كوارث اقتصادية ومفاعيل حرب مدمرة وانقسامات سياسية فرضتها سلطة الحزب على البلاد.

وبالتالي، وضع الجيش اللبناني في الواجهة، ضعيف الامكانات، متروكاً وحيداً في مواجهة استحقاقات أمنية وسياسية ثقيلة.
هذا الهجوم المتكرر على الجيش لا يضعف المؤسسة العسكرية فحسب، بل يقوض الثقة بالدولة نفسها، ويترك فراغاً سياسياً ونفسياً يستغله الحزب لتثبيت نفوذه في مختلف المناطق. ففي كل مرة يُهاجم الجيش أو يُوصف بالعمالة والخيانة، يشعر المواطن أن الدولة غير قادرة على حماية الناس والوطن.

تاريخياً، سعى حزب الله إلى إضعاف الجيش واستضعافه لتبرير وجود سلاحه، ليس فقط في الجنوب بل على الأراضي اللبنانيةكافة. وهناك شواهد تاريخية عديدة، من معارك نهر البارد وفجر الجرود وغيرها من الأحداث، التي لو مُنح خلالها الجيش الضوء الأخضر لاستعادة هيبته عبر إرادة سياسية جامعة وإمداده بالدعم اللوجستي اللازم، لكان قادراً على الحسم ومنع حزب الله من صياغة الأمور على طريقته.

اليوم، يقف الجيش أمام أول اختبار جدي، ولو رمزي، لاستعادة هيبة المؤسسة العسكرية في مواجهة السلاح المتفلت. والمحك الكبير يقع على المحكمة العسكرية، التي تواجه تحدياً مباشراً في رفض أي تدخلات من حزب الله للإفراج عن موقوفين ينتمون إلى الحزب بعد توقيفهم في الجنوب وبحوزتهم أسلحة خفيفة ومتوسطة.

المطلوب من الجيش اليوم التحرك سريعاً والضرب بيد من حديد، وتأكيد الالتزام الكامل بقرارات الحكومة، القاضية بحظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله وملاحقة المخالفين والمخلين بالأمن والعمل على تطبيقها دون تأخير.

كفى البلاد ويلات الفراغ السياسي والفوضى الأمنية، وآن الأوان أن يُعامل الجيش كجيش وطني يحمي اللبنانيين جميعا، لا أن يكون أداة استهداف أو وصاية سياسية.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram