كتب روبيرت ساتلوف :
إن هزيمة إيران هي الهدف الرئيسي للحرب الحالية في الشرق الأوسط، لكن لبنان قد يقدّم أفضل فرصة لتحقيق اختراق نحو السلام — لو أن الرئيس ترامب فقط أولى الأمر اهتمامه.
إن فرصة التقدم بين بيروت والقدس حقيقية. فكلا البلدين — وهما تقنياً في حالة حرب منذ عام 1949 — لا يملكان مطالبات إقليمية ضد بعضهما البعض. كما يقودهما حكومتان تقفان بقوة في المعسكر المؤيد للولايات المتحدة، وجيشاهما شريكان قريبان للقوات المسلحة الأميركية. إضافة إلى ذلك، يتمتع كلا البلدين بجاليات كبيرة ومؤثرة من المؤيدين داخل الولايات المتحدة يمكن أن تلعب دوراً مفيداً في تعزيز السلام.
العقبة الرئيسية أمام السلام هي حزب الله، الجماعة الإرهابية التي ترشدها وتمولها وتسلحها إيران، والتي تلقت ضربة قاسية في حرب عام 2024 ضد إسرائيل. وللمرة الأولى، يقول كل من لبنان وإسرائيل إنهما ملتزمان بمبدأ نزع سلاح هذه الميليشيا المتطرفة بالكامل. وحتى اندلاع الحرب الحالية، ربما كان لدى الحكومتين خلاف حول وتيرة نزع السلاح، لكنهما كانتا تعملان معاً برعاية الولايات المتحدة لتبادل المعلومات حول مواقع أسلحة حزب الله التي يجب مصادرتها.
كان التقدم في نزع سلاح حزب الله بطيئاً، لكن حتى هذا القدر كان كافياً لمنح الشعب اللبناني حرية الحديث عن الموضوع الذي كان محرماً منذ زمن طويل: السلام مع إسرائيل. فقد ناقشت البرامج الحوارية في الإعلام اللبناني النشط بانتظام تكاليف السلام وفوائده. وعلى الرغم من القوانين الصارمة التي تحظر حتى التواصل البريء بين اللبنانيين والإسرائيليين، بدأ بعض المرشحين في الانتخابات البرلمانية المقبلة يخوضون حملاتهم على منصات جريئة “مؤيدة للسلام”.
في مواجهة هذه المؤشرات المفعمة بالأمل، بدا أن إدارة ترامب متحفظة بشكل غريب. فقد جاء رئيس لبنان، جوزيف عون، وهو قائد جيش سابق يبدو وكأنه خرج مباشرة من أدوار البطولة، إلى السلطة قبل عام واعداً بتقليم أظافر حزب الله وفرض احتكار الدولة لاستخدام القوة داخل البلاد. لكن حتى الآن، كان رد ترامب هو عدم إجراء أي تواصل مباشر مع عون إطلاقاً — لا اجتماع، ولا اتصال هاتفي، ولا رسالة. ويقارن ذلك بسعي الإدارة للتقرب من رئيس سوريا أحمد الشرع، الجهادي السابق الذي التقى به ترامب مرتين، بما في ذلك في المكتب البيضاوي في نوفمبر الماضي.
ويبدو أن مرؤوسي ترامب تلقوا الرسالة بأن لبنان لا يستحق وقتهم أيضاً. فقد عقد وزير الخارجية ماركو روبيو اجتماعاً واحداً فقط مع عون، في سبتمبر على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولا يوجد دليل على أن المبعوث الخاص ستيف ويتكوف أو مستشار الرئيس جاريد كوشنر قد التقيا عون منذ أن أصبح رئيساً.
وبدلاً من ذلك، تم تناقل ما يسمى “ملف لبنان” بين مسؤولين أقل رتبة. وهو حالياً في يد ميشيل عيسى، السفير الأميركي المرموق في بيروت، لكن مكانته كـ“صديق للرئيس” لا تستطيع تجاوز الحقيقة الجغرافية بأنه يبعد ما يقرب من 6000 ميل عن واشنطن. وكانت نتيجة هذا اللامبالاة الظاهرة ليست فقط إضاعة فرصة للمصالح الأميركية، بل أيضاً مكسباً سياسياً كبيراً لحزب الله، إذ أضعفت الحماسة لجهود نزع السلاح وتركت اللبنانيين المؤيدين للسلام في عزلة.
الآن، لدى واشنطن فرصة ثانية لفعل الشيء الصحيح. فبدافع الولاء للمرشد الأعلى الإيراني الذي قُتل، أطلق حزب الله صواريخ على شمال إسرائيل، مما جرّ لبنان المتعب من الحرب إلى القتال. وقد أدانت الحكومة اللبنانية هذا العمل المتهور بسرعة، وأمرت جيشها باتخاذ إجراءات فورية لمنع أي نشاط عسكري إضافي من قبل حزب الله. وفي الوقت نفسه، أثارت الهجمات الصاروخية رداً إسرائيلياً واسعاً على معاقل حزب الله في وادي البقاع وضواحي بيروت وجنوب لبنان، تمهيداً لعملية برية لتطهير المناطق الحدودية من المتسللين المحتملين ومستودعات الأسلحة.
الصورة السياسية واضحة — فحكومتا لبنان وإسرائيل تنظران اليوم إلى حزب الله باعتباره عدوهما المشترك. بل إن الحكومة اللبنانية أعلنت استعدادها، حتى خلال الحرب الحالية، لاستئناف المحادثات الدبلوماسية مع إسرائيل بشأن سبل التعاون لنزع سلاح حزب الله بالكامل. والآن هو الوقت المناسب لأميركا لاستغلال هذا التقارب في المواقف لتحقيق اختراق دبلوماسي.
عملياً، الخطوة التالية بيد ترامب. فبمكالمة هاتفية واحدة مع عون، يمكن للرئيس الأميركي أن يؤكد اهتماماً رفيع المستوى بلبنان، ويعد بمساعدات إضافية لدعم الجيش اللبناني في نزع سلاح حزب الله، ويهدد في الوقت نفسه بحجب المساعدة إذا سار هذا المسار ببطء شديد. وفي الوقت نفسه، ينبغي لترامب أن يحفز عون عبر وعده بلقاء في المكتب البيضاوي بمجرد أن يؤكد الجنرالات الأميركيون أن لبنان قد أزال أخيراً مستودعات الأسلحة ومصانعها من معاقل حزب الله في وادي البقاع وضواحي بيروت الجنوبية.
وأثناء تقدم عملية نزع السلاح، ينبغي للمسؤولين الأميركيين قبول عرض بيروت لتنظيم محادثات مباشرة مع إسرائيل. ويجب أن تبدأ أجندة المفاوضات بالأمن في جنوب لبنان وترسيم الحدود، وتمتد إلى خطوات متبادلة تعزز دينامية صنع السلام. وقد تشمل هذه الخطوات خططاً لفتح المجال الجوي لكل بلد أمام حركة الطيران المدني للآخر؛ ونقل الغاز الإسرائيلي إلى لبنان لتخفيف أزمته في الطاقة؛ والسماح للسياح من دول ثالثة بعبور الحدود في الاتجاهين. والمفتاح في هذه العملية هو الحصول من لبنان على التزام بتعليق تنفيذ قوانين منع التطبيع البغيضة، ريثما يتم اتخاذ إجراء تشريعي، حتى لا يخشى اللبنانيون العاديون السجن لمجرد التحدث مع إسرائيلي.
ولإدارة هذه العملية، ينبغي لترامب أن يعين شخصاً في واشنطن مبعوثاً شخصياً له. ففي هذه الإدارة، يُقاس النفوذ بمدى القرب من ترامب، وسيستخدم القادة الأجانب — بحق أو بغير حق — هذا المعيار لتحديد مدى جدية الرئيس بشأن قضاياهم.
صحيح أن لبنان بلد صغير، ورغم خطورة صواريخ حزب الله، فإن التهديد الذي يمثله هذا الوكيل الإيراني الذي كان يوماً قوياً لإسرائيل قد تراجع بشكل كبير. لكن ذلك سبب يدفع إلى السعي للسلام، لا إلى فقدان التركيز. فإذا منح ترامب جبهة لبنان-إسرائيل مجرد جزء صغير من الاهتمام الموجه حالياً إلى إيران أو نسبة ضئيلة من الجهد المبذول تجاه غزة، فقد يحصل على أحدث عضو عربي في اتفاقيات أبراهام — وربما على جائزة نوبل للسلام أيضاً.