بعد استهداف قطر: ماذا يتبقى لإيران؟

في حرب الأيام الاثني عشر السابقة، تخطّت طهران كل حدود العلاقات الودية مع محيطها، عندما وجّهت صواريخ نحو قطر. يومها لم تصل الصواريخ إلى أهدافها بفعل الدفاعات الجوية، لكن الرسالة كانت واضحة: إيران مستعدة لتوسيع دائرة النار حتى مع الدول التي لم تدخل في المواجهة ضدها.
في الجولة الجديدة من الحرب، بدا أن القيادة الإيرانية قررت الذهاب أبعد من ذلك. فالهجمات لم تعد تستثني الدوحة ولا حتى مسقط. دولتان لعبتا طوال السنوات الماضية دور الوسيط أو الجسر الدبلوماسي بين طهران والعالم، تحوّلتا فجأة إلى جزء من بنك الأهداف. لم يعد الأمر مجرد رد عسكري، بل رسالة سياسية قاسية مفادها أن إيران لم تعد تميّز بين خصم وصديق إذا شعرت بأن المعركة وصلت إلى لحظة كسر العظم.
بهذا السلوك، يرسل النظام الإيراني إشارة واضحة مفادها: “يا روح ما بعدك روح”. أي أن طهران باتت تتصرف بعقلية المواجهة الشاملة، حيث تصبح كل الساحات مفتوحة وكل العلاقات قابلة للاحتراق. حتى الدول التي حافظت على خطوط التواصل مع إيران، ووفرت لها قنوات عبور نحو المجتمع الدولي في أصعب الظروف، لم تعد بمنأى عن الاستهداف.
هذه الاستراتيجية تعكس تحوّلاً خطيراً في سلوك النظام. فبدلاً من حماية ما تبقى من شبكة علاقاته الإقليمية، يبدو أنه يختار سياسة إحراق المراحل وإشعال الحرائق حتى في حدائق الأصدقاء الذين وقفوا إلى جانبه أو سعوا إلى تخفيف عزلته.
والنتيجة أن طهران، التي كانت تحرص تاريخياً على الفصل بين ساحات الخصومة ومساحات التواصل، تبدو اليوم كأنها تدفع بنفسها نحو عزلة أوسع. فاستهداف دولٍ حاولت لعب دور التهدئة لا يضعف خصومها بقدر ما يسرّع في تفكيك ما تبقى من شبكة الأمان السياسية حولها.
هكذا يضع النظام الإيراني نفسه في زاوية أخيرة، حيث تتقلص خياراته الدبلوماسية ويتسع طوق العزلة من حوله، في مشهد يوحي بأن نظاماً اعتاد اللعب على التوازنات الإقليمية بات اليوم أقرب إلى دولة تقاتل وحيدة على أكثر من جبهة، بعدما قرر إشعال النار في كل الاتجاهات.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram