كتب المحامي بيتر جرمانوس: في صيف عام 1982، حين كانت بيروت تختنق تحت نار الحرب، أدرك صائب سلام أن المدينة تقف على حافة الهاوية. لم يتردد يومها في اتخاذ موقف تاريخي، إذ طالب ياسر عرفات بوقف المغامرة العسكرية، ورفع الغطاء السني عن منظمة التحرير الفلسطينية حين رأى أن استمرار المعركة يعني تدمير بيروت فوق رؤوس أهلها. كان ذلك موقفاً صعباً بالنسبة لصائب بك، لكنه كان موقف رجل دولة أدرك أن حماية المدينة والمجتمع أهم من الشعارات.
اليوم يطرح السؤال نفسه بصيغة مختلفة: لماذا لا يجرؤ نبيه بري على اتخاذ موقف مماثل تجاه حزب الله؟ لماذا لا يقول بوضوح إن لبنان لم يعد يحتمل مغامرات عسكرية تتجاوز الدولة وتعرّض البلد كله للخطر؟
الأمر لا يتعلق فقط ببري، بل بالبيئة السياسية التي تحيط به. فالرجل جزء من معادلة توازنات معقدة، حيث يتداخل النفوذ الإيراني مع البنية السياسية الشيعية التي تشكّلت منذ عقود. في هذه المعادلة، يصبح الاعتراض مخاطرة كبرى، ليس سياسياً فحسب بل أمنياً أيضاً.
لكن السؤال الأعمق يبقى موجهاً إلى المجتمع نفسه: لماذا لا يضغط الشيعة على قياداتهم كي يختاروا السلام قبل أي مشروع آخر؟ لماذا لا يتكرر المشهد الذي حصل عام 1982 حين قررت بيئة كاملة أن حماية المدينة أهم من استمرار الحرب؟
التاريخ يعلمنا أن المجتمعات، حين تصل إلى لحظة الوعي، تستطيع أن تغيّر مسار الأحداث. وصائب سلام لم يكن أقوى من بيروت… بل كان صدى لإرادة أهلها.