الدستور الذي نشرته السلطة الفلسطينية لن ينقذها من الأزمة الأصعب في تاريخها


كتبت جاكي خوري في هآرتس:

في خضم أزمة اقتصادية متفاقمة وقرارات المجلس الوزاري السياسي–الأمني التي تمس بالسكان الفلسطينيين، نشرت السلطة الفلسطينية هذا الأسبوع مسودة دستور مؤقت. إلا أن الوضعين السياسي والاقتصادي المترديين، اللذين يواصلان الانهيار تحت وطأة السلطة، يثيران تساؤلات جدية حول مستقبل هذه الوثيقة.

تشمل مسودة الدستور، التي نُشرت بمبادرة من الرئيس محمود عباس، أكثر من 160 مادة، وتؤكد – ضمن أمور أخرى – الالتزام بإعلان استقلال فلسطين لعام 1988، وبالقانون الدولي ومعاهدات حقوق الإنسان. كما تتضمن الحقوق الأساسية، مثل حرية التعبير، وحرية الصحافة، وحرية تكوين الجمعيات، وحرية الدين، وتشدد على مبدأ المساواة أمام القانون وفصل السلطات.

مع ذلك، يتركز معظم النقاش العام حول المواد المتعلقة بالرئيس وصلاحياته الواسعة، بما في ذلك إعلان حالة الطوارئ عند الحاجة، وكذلك حول منصب نائب الرئيس وآلية تولي مهام الرئاسة في حال عجز الرئيس عن أداء مهامه. ويتصاعد الجدل على خلفية تعيين حسين الشيخ نائبًا للرئيس في العام الماضي.

تنص مسودة الدستور على أنه في حال شغور منصب الرئيس، يتعين على السلطة الفلسطينية إجراء انتخابات خلال تسعين يومًا. وحتى ذلك الحين، يتولى رئيس المجلس التشريعي المنصب، وفي حال عدم وجوده، يتولى رئيس المحكمة الدستورية هذا الدور. ويعني ذلك أن حسين الشيخ لن يُعيَّن رئيسًا بالوكالة إذا توقف عباس عن أداء مهامه. ومع ذلك، لا يزال غير واضح ما الذي سيحدث إذا اضطرت القيادة الفلسطينية إلى البت في اختيار خليفة لعباس قبل إقرار الدستور.

بالتوازي مع نشر المسودة، حذّر وزير المالية والتخطيط الفلسطيني، اسطفان سلامة، من أن عام 2026 يُتوقع أن يكون الأصعب في تاريخ السلطة الفلسطينية من الناحية الاقتصادية. ووفقًا له، تواجه السلطة أخطر أزمة منذ تأسيسها، ويعود ذلك، من بين أسباب أخرى، إلى استمرار تأخير إسرائيل تحويل أموال الضرائب وخصمها. وقد أعلنت السلطة الفلسطينية أنها ستدفع 60 في المئة فقط من رواتب موظفي القطاع العام، بحد أدنى 2000 شيكل، بسبب عجز حاد في الإيرادات.

وتُظهر البيانات التي قدمها سلامة عمق الأزمة. فالإيرادات المحلية لا تتجاوز 400 مليون شيكل شهريًا، بينما تُقدَّر النفقات التشغيلية الدنيا بمليار شيكل على الأقل.

ويتطلب دفع جزء من الرواتب نحو 720 مليون شيكل، إضافة إلى 200–250 مليون شيكل للدفعات الأساسية، بما في ذلك ديون المستشفيات والمؤسسات العامة. كما تضخم إجمالي الدين إلى نحو 15.4 مليار دولار، ورُفعت مئات الدعاوى القضائية ضد السلطة الفلسطينية في المحاكم الإسرائيلية للمطالبة بتعويضات ضخمة.

وتوضح السلطة الفلسطينية أن هذه ليست أزمة تقنية، بل تحرك سياسي. ويرى مسؤولون فلسطينيون أن الضغوط الاقتصادية تتقاطع مع قرارات سياسية إسرائيلية، من بينها الخطوات التي اتخذها المجلس الوزاري السياسي–الأمني مؤخرًا، والتي تهدف إلى إضعاف السلطة الفلسطينية وتقويض مكانتها التمثيلية.

وبعيدًا عن الجدل القانوني، يبرز التساؤل الجوهري حول إمكانية صياغة دستور في ظل استمرار اهتزاز الأسس الاقتصادية والسياسية للسلطة الفلسطينية. فالدستور يُكتب كإعلان للسيادة، لكن الواقع على الأرض – بدءًا من توسع النفوذ الإسرائيلي، مرورًا بقرارات حكومية تجيز الضم الفعلي، وانتهاءً بالأزمة الاقتصادية المتزايدة – يطرح علامات استفهام حول جدوى هذه الخطوة. فإذا كانت السلطة تواجه صعوبة في دفع الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية والحفاظ على استقرار المؤسسات، فما مصير الوعود الدستورية المتعلقة بالحريات والحقوق؟

يتزايد بين المسؤولين الفلسطينيين الاعتقاد بأن لهذه الخطوة شقين: داخليًا، لحسم مسألة الوراثة والانتقال إلى مرحلة إقامة الدولة؛ وخارجيًا، لإظهار الجدية والإصلاح، على أمل كبح التحركات الأحادية الجانب وكسب الدعم الدولي مجددًا. في المقابل، يرى منتقدو الخطوة أنه من دون تغيير حقيقي في ميزان القوى والوضع الاقتصادي، وبتدخل دولي، ولا سيما أمريكي، قد لا يكون الدستور سوى وثيقة إعلانية.

هل سيسبق الإصلاح الدستوري الانهيار الاقتصادي؟ هل سيطغى الضغط السياسي على البنية المؤسسية قبل استقرارها؟ أم أن التهديد الوجودي سيسرّع الوحدة الداخلية ويعزز المطالبة بتسوية دستورية شاملة؟

الإجابات لا تزال غير واضحة. لكن الواضح أن صراعًا خفيًا يدور بين بنود الدستور ودفاتر وزارة المالية الفلسطينية حول مستقبل النظام برمته. وإذا لم يتم إيجاد توازن بين الإصلاح السياسي والاستقرار الاقتصادي، فقد يصبح السؤال ليس أي دستور سيتم اعتماده، بل أي سلطة ستبقى – إن بقيت – لتطبيق الدستور.


شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram