أبوظبي في قلب التوازنات: رسائل السيسي وتميم في لحظة خليجية حرجة


كتب نديم قطيش

في لحظة إقليمية مثقلة بالحسابات والاصطفافات، جاءت الزيارتان المتتاليتان إلى أبوظبي لكلٍّ من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 9 شباط، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في 14 شباط 2026، لتتجاوزا بروتوكول المجاملات الدبلوماسية، وتدخلان مباشرة في صلب التوازنات الخليجية والعربية الدقيقة.

الزيارتان وُصفتا بالأخويتين، وتخللهما استقبال حافل من رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، إلى جانب مباحثات تناولت العلاقات الثنائية، والتطورات الإقليمية، والتعاون الاقتصادي. غير أن التوقيت وحده كفيل بجعل هذه اللقاءات محمّلة بدلالات سياسية تتجاوز العناوين التقليدية، خصوصاً في ظل خلفية التوترات المتصاعدة بين السعودية والإمارات.

تأتي زيارة الرئيس السيسي في سياق علاقة استراتيجية راسخة تربط القاهرة بأبوظبي، تقوم على شراكات اقتصادية وعسكرية عميقة. إلا أن هذه العلاقة لا تلغي حقيقة أن مصر تبدو، في ملفات إقليمية أساسية كمنطقة القرن الأفريقي والسودان وإثيوبيا، أقرب في مقارباتها إلى السعودية. هذا التمايز يمنح القاهرة موقعاً وسطياً يتيح لها هامش حركة أوسع في لحظة احتدام الخلافات الخليجية.

أما زيارة أمير قطر، فتحمل في طياتها مساراً مختلفاً وأكثر تعقيداً. فالعلاقة بين الدوحة وأبوظبي كانت، تاريخياً، على طرفي نقيض، لا سيما خلال أزمة 2017–2021. غير أن قمة المصالحة في العلا عام 2021 دشّنت مساراً تصالحياً متدرجاً، بلغ ذروة رمزية مع الزيارة البارزة التي قام بها الشيخ محمد بن زايد إلى الدوحة في أيلول 2025، على رأس وفد رفيع من شيوخ الأسرة الحاكمة وكبار المسؤولين، في خطوة تضامن واضحة عقب الغارة الجوية الإسرائيلية على أهداف لحماس في العاصمة القطرية. تلك الزيارة شكّلت رسالة سياسية قوية حول التزام أبوظبي بالاستقرار الإقليمي. ومع ذلك، لا يزال الإعلام المحسوب على قطر ينتج خطاباً مناهضاً للإمارات، بما يسهم، عن قصد أو غير قصد، في تأجيج الخلاف السعودي–الإماراتي.

في هذا السياق، يمكن قراءة الزيارتين كتحركات براغماتية ومناورات محسوبة في ظل الشرخ القائم بين الرياض وأبوظبي. وقد تكون هذه التحركات مدفوعة بمخاوف مشتركة، من بينها احتمال تصعيد عسكري أميركي ضد إيران، وما يحمله ذلك من تداعيات على أمن الخليج. كما لا يمكن استبعاد فرضية التنافس الهادئ بين مصر وقطر على لعب دور الوسيط بين العاصمتين الخليجيتين، بما يعزز الثقل الإقليمي للطرف القادر على إنجاز هذه الوساطة.

اللافت أن القاهرة والدوحة تتقاطعان في مقاربة حذرة لهذا الخلاف. فكلاهما قد يستفيد من رؤية بعض سياسات الإمارات تواجه اعتراضاً أكبر من السعودية، بما يحدّ من هيمنة قرار إقليمي أحادي. وفي الوقت ذاته، يدرك الطرفان أن انفلات هذا التوتر قد يقود إلى تمركز نفوذ مفرط في عاصمة واحدة، على حساب مرونتهما الاستراتيجية واستقلالية قرارهما في مشهد إقليمي يتجه، رغماً عن الجميع، نحو تعددية أقطاب.

في المحصلة، تعكس هذه الزيارات المتتالية حنكة دبلوماسية إماراتية وقدرة على إدارة شبكة شراكات واسعة رغم السرديات المتداولة عن “عزلة إقليمية”. فمشهد الاستقبالات واللقاءات في أبوظبي يكشف، بوضوح، عن دولة قادرة على الحفاظ على علاقاتها المستقلة وتعميقها، حتى في ذروة التوترات.

ويكتمل هذا المشهد مع التصريحات الحادة التي أطلقها السيناتور الأميركي ليندسي غراهام في مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث دعا القيادة السعودية إلى “إنهاء” الخلاف مع الإمارات، ودافع عن الشيخ محمد بن زايد في مواجهة اتهامات بالانحياز المفرط لـ“الصهيونية”، محذراً من أن هذا الشرخ لا يخدم سوى إيران. موقف يعكس اتساع دائرة القلق الدولي من كلفة الانقسام الخليجي، ويعيد التأكيد أن ما يجري في أبوظبي اليوم يتجاوز حدود الزيارات، ليصل إلى صلب معادلة الاستقرار الإقليمي.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram