وصل الرئيس سعد الحريري إلى بيروت لإحياء ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، في محطة سياسية وشعبية تحمل دلالات تتجاوز البعد الرمزي للمناسبة. فالذكرى هذا العام تأتي في ظل حديث جدي داخل أوساطه عن احتمال العودة إلى الحياة السياسية، بعد سنوات من الانكفاء، لكن هذه العودة تصطدم بعقبات كبيرة ومعروفة، معظمها إقليمي، وتتصل بتوازنات عربية ودولية لم تنضج بعد.
أمام الرئيس الحريري ثلاثة خيارات أساسية يجري تداولها بواقعية. الخيار الأول يتمثل في المشاركة الشخصية الكاملة في العودة السياسية، بما يعني خوض الاستحقاق النيابي المقبل وترؤس مشروع سياسي واضح المعالم، وهو خيار يعيد خلط الأوراق داخل الساحة السنية واللبنانية، لكنه يحتاج إلى غطاء إقليمي صريح وضمانات داخلية غير متوافرة حتى الآن.
الخيار الثاني يقوم على السماح لفريقه السياسي بالمشاركة في الانتخابات، من دون أن يترشح هو شخصياً، بما يتيح الحفاظ على الحضور السياسي والتنظيمي لتيار المستقبل، ويمنع انهياره الكامل، مع إبقاء الحريري خارج المواجهة المباشرة ريثما تتبدل الظروف.
أما الخيار الثالث، فيقضي بالبقاء خارج السياسة والانتخابات، وانتظار تغير الواقع الإقليمي والعربي، وهو خيار يراهن على الوقت لكنه يحمل مخاطر ترك الساحة السنية لمزيد من التشتت والفراغ.
في ظل الفراغ القيادي الذي تعاني منه الطائفة السنية، ومع ارتفاع تأثير وزعامة أحمد الشرع على جزء من سنة لبنان، يبدو قرار الرئيس الحريري مصيرياً، ليس لمستقبله السياسي فقط، بل لدور الطائفة وموقعها في المعادلة الوطنية المقبلة.
كما أن حضوره في بيروت يعيد طرح أسئلة حول علاقته بحلفائه وخصومه، وقدرته على استعادة ثقة الشارع، في زمن تبدلت فيه الأولويات الاقتصادية والاجتماعية. فالعودة، إن حصلت، لن تكون تكراراً للماضي، بل اختباراً جديداً لقيادة قادرة على قراءة التحولات وصوغ خطاب مختلف يوازن بين الواقعية السياسية ومتطلبات الناس ويعيد وصل لبنان بعمقه العربي والدولي في آن واحد.