بقلم د. علي شعيب
إذا حاولنا تفكيك سردية «المظلومية الشيعية» مايكرو-اقتصاديًا ومايكرو-اجتماعيًا، فهي في فحواها لا تختلف كثيرًا عن المظلوميات المناطقية التاريخية العابرة للطوائف والمذاهب في كل بقاع الأرض، والتي عاشت ولا تزال تعيش التهميش والإقصاء والتعتيم، مع بعض الفروقات البسيطة بين هذه المنطقة وتلك، وهذه المجموعة وتلك.
المظلومية الشيعية متوهّمة ومُصنّعة إلى حدّ كبير. التوهّم من جهة العامّة، والتصنيع من جهة المنظومة الدينية الحاكمة بأمرها، حيث يختلط المكوّن الديني بالمكوّن الاجتماعي، وتتداخل الأجندات الإقليمية فيها ومعها وفيما بينها، لتنصهر مع إسقاطات تاريخية ومرويات وموروثات مذهبية يمكن شرحها بطريقة مبسطة بعيدًا عن السفسطة.
في الشكل والمضمون، لا تختلف هذه المظلومية الشيعية المصنّعة عن مشكلات الأقليات الشيعية في العراق واليمن والبحرين والسعودية وباكستان وأفغانستان وغيرها من بلاد المسلمين، حيث يعيش هؤلاء ضمن محيط ديموغرافي سنّي هائل لا يسمح لهم بأخذ حقوقهم الوطنية وتحقيق ذواتهم بشكل ديمقراطي أو عادل.
وهي، في الشكل، لا تختلف كثيرًا عن المشكلات التي تواجهها الأقليات العرقية والجندرية في أوروبا وأميركا وأستراليا. فهناك الكثير من الأقليات، من السكان الأصليين أو الوافدين الجدد، يعانون الأمرّين من تسلّط طبقة حاكمة «بيضاء» ومجتمعات غارقة في العنصرية ولعبة القوة عبر السيطرة على المناصب والمراكز الرئيسية وحرمان الآخرين من تبوّئها.
محليًا أيضًا، فإن المظلومية الشيعية الجنوبية والبقاعية، وأحزمة البؤس في منطقة الجناح والأوزاعي وبرج البراجنة، لا تختلف كثيرًا عن أخواتها في القرى والدساكر العكّارية أو الطرابلسية أو الأرمنية أو المسيحية، وفي أحزمة البؤس الممتدة من فرن الشباك والدورة والكرنتينا وبرج حمود إلى زوق مكايل، ومن باب الرمل إلى باب التبانة في طرابلس.
هذه المظلوميات مجتمعة أساسها اقتصادي بحت. بمعنى أنه لو قامت الدولة اللبنانية على مرّ السنوات بإصلاحات اقتصادية وإدارية جدّية، وصار لدى اللبنانيين فرص عمل تؤمّن لهم العيش المحترم، لما وصلت الأمور إلى ما هي عليه اليوم. ولكان اللبناني يعاني المشكلات البسيطة نفسها التي يعاني منها التركي والإسرائيلي والقبرصي واليوناني والإيطالي والإسباني وغيرهم من سكان حوض المتوسط، الذي يعتمد سكانه بشكل كبير على قطاعي السياحة والخدمات، والصناعات الخفيفة والمتوسطة، ضمن اقتصادات حرّة غير مقيّدة نسبيًا.
لكن الأهم في محاولة فهم المظلومية الشيعية المتوهّمة والمتغوِّلة أن هناك عاملًا تاريخيًا لا يلحظه كثيرون في تحليلاتهم السياسية أو الاجتماعية عندما يتصدّون لظاهرة المظلوميات. فعند بداية تشكّل تركيبة «لبنان الكبير» في مطلع عشرينيات القرن الماضي (سايكس–بيكو)، تمت دعوة الشيعة بعمقَيْهما البقاعي والجنوبي (ولم تكن هناك ضاحية جنوبية حينذاك) إلى الاتحاد الجديد الذي سيُسمّى لاحقًا بالجمهورية اللبنانية.
دخل الشيعة دولة لبنان الكبير مُرغمين، لا بإرادتهم الذاتية (مؤتمر الحجير مثالًا). فقد كان المجتمع الشيعي الشبابي الثائر، وبعض المرجعيات الروحية حينها، منحازين إلى الأمير فيصل بن الحسين المناوئ للفرنسيين والثائر عليهم (المدعوم من بريطانيا)، بينما كان الساسة الشيعة التقليديون يلعبون السياسة عبر محاولة إيجاد توازن بين معارضي الاتفاق مع فرنسا، وأولئك الذين يفضّلون التفاوض مع الفرنسيين ويعارضون المقاومة المسلحة ضدّها.
وكان بعض شيعة لبنان قد طلبوا من فرنسا أن تسمح بإنشاء كيان خاص بالشيعة في جبل عامل يكون بمثابة حكم ذاتي شيعي لا يتعارض مع الكيانات الجديدة التي كانت قد بدأت بالتشكّل من المحيط إلى الخليج بتوافق بريطاني–فرنسي–دولي.
ومن المفيد ذكر حقيقة أنه كانت هناك معارضة مارونية واضحة وموثّقة لدخول الشيعة في الكيان اللبناني الجديد، وضمّ عشرات آلاف الأفراد إلى الجمهورية الجديدة، مما قد يسبّب مشكلة مستقبلية للصيغة المتوخّاة. وهذا ما زاد الطين بلّة، إذ شعر الشيعة وقتها بأنهم غير مرحّب بهم في تلك التركيبة المجتمعية والسياسية الغريبة جدًا عن عاداتهم وتقاليدهم ومبتغاهم، ضمن مركّب سياسي جماعي «لا يشبههم».
إذًا، دخل الشيعة إلى التركيبة اللبنانية متأخرين، ومرغمين، وبخجل ووجل. وكان هذا واضحًا في حركتهم السياسية من منتصف عشرينيات القرن الماضي إلى أوائل السبعينيات، حيث كان هناك نوع من الاستلحاق الشيعي بباقي الطوائف في مجمل الحركة السياسية والاقتصادية والمجتمعية. وهذا ما قلّل من حيويتهم السياسية واندفاعهم في اتجاه تحصيل مراكز نفوذ وقوة خاصة بهم داخل الجمهورية المتشكّلة حديثًا.
في المقلب الآخر، كان هناك هجوم ماروني شرس على المراكز الرئيسية في الدولة اللبنانية الجديدة، مدعومًا، بشكل أساسي، بمعارف ومهارات إدارية عالية اكتسبها من خلال العمل في الإدارات المحلية الفرنسية المتعددة، وأيضًا في الخارج، وضمن الإرساليات المسيحية التي أتت إلى جبل لبنان لدعم الوجود المسيحي فيه.
ثم شكّلت الأحزاب العلمانية، من بعثية وقومية وشيوعية وناصرية، شبكة خلاص للمجاميع الشيعية الشابة الباحثة عن دور سياسي ذي أبعاد ثورية يساعدها على إيصال صوتها إلى حيث يجب أن يصل.
ثم جاء ابتعاث موسى الصدر الإيراني إلى لبنان، والذي ركّز خطابه وضبطه على نغمة الحرمان والمظلومية الشيعية، وقام بإجراءات عملية لعسكرة الطائفة الشيعية وإثارة مشاعرها ضدّ الطبقة الحاكمة باسمها.
وكان لحركته وكاريزمته صدى كبير لدى الفئة الشبابية الشيعية المحافظة دينيًا، والتي تتركز في الأطراف والأرياف وفي أحزمة البؤس حيث الفقر والعوز، وانتشار المساجد والحسينيات، والمشاعر الدينية المتطرفة (حزب الدعوة مثالًا). وفي هذه البوتقة الملائمة لدسّ الدسائس، نجح موسى الصدر ومحمد حسين فضل الله في أن تصدح منابرهما بالمظلومية الشيعية التي رُبطت، بنجاح منقطع النظير، بمظلومية الحسين وآل بيته وجماعته منذ ألف وأربعمئة سنة حتى اليوم، وتشجيع الشيعة هناك على الثورة ومناهضة اليسار «الكافر».
ثم جاء انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وظهور حزب الله ممتطيًا جيادًا فارسية جامحة تصدح، هي الأخرى، بمظلومية عالية اللهجة، مجوسية التوجّه، عن آل البيت والشيعة، وكيف أن العرب والأنظمة الخليجية هم أساس العلّة، وكيف أن الوهابية امتداد طبيعي لليزيدية السياسية. وبدأ هؤلاء بقرع طبول المظلومية وتأطير المجاميع الشيعية والضرب على أوتارها الحساسة، ولا سيما واقع الوجود الفلسطيني على أرض الجنوب، ومن بعده الاحتلال الإسرائيلي لمساحات كبيرة من «الأراضي الشيعية».
إذًا، علينا فهم ما يُسمّى، زورًا وبهتانًا، بالمظلومية الشيعية من خلال فهم التاريخ السياسي للكيان اللبناني، والدور السلبي الذي لعبته المجاميع الشيعية المختلفة فيما بينها في لعبة تشكيل النفوذ ومراكز القوى داخل إدارات الدولة، لا عبر اللعب على أوتار التعصّب المذهبي والقول إن الآخرين هم من ظلموا شيعة لبنان، وإن من حقهم اليوم أن يحصلوا على «حقوقهم» بقوة السلاح والدعم الإقليمي المباشر، وفرض وصايات مستجدّة ليس فيها للمواطن اللبناني، عمومًا، وللشيعي، خصوصًا، ناقة ولا جمل.