بقلم: نديم قطيش
اعتاد كثير من التحليل السياسي العربي مقاربة العلاقة السعودية – الإماراتية من زاوية واحدة، تختصرها في بعدها الاستراتيجي والعسكري: اليمن كوكلاء، السودان كساحة نفوذ، والتباينات في مقاربة إسرائيل والنظام الإقليمي. هذه المقاربة ليست خاطئة بالكامل، لكنها قاصرة، لأنها تتجاهل البنية الحقيقية التي تحكم هذه العلاقة وتضبط إيقاعها.
ما يجري بين الرياض وأبوظبي اليوم ليس تحالفاً تقليدياً ولا خصومة مفتوحة، بل علاقة مركّبة تقوم على تكامل اقتصادي عميق، يتعايش مع تنافس استراتيجي فعلي. نحن أمام نموذج جديد في الإقليم: “منافسة تُدار داخل هيكل يعتمد فيه كل طرف على الآخر”.
أول مفاتيح الفهم يكمن في حجم التبادل التجاري. فالتجارة الثنائية بين البلدين بلغت نحو 30 مليار دولار بنهاية عام 2023، بزيادة تقارب 42% منذ عام 2020، مع مؤشرات إلى أنها تجاوزت عتبة 50 مليار دولار في 2025. الإمارات اليوم ثالث أكبر مصدر إلى السوق السعودية، فيما وصلت التجارة غير النفطية إلى 75 مليار درهم في النصف الأول من 2024 وحده، بنمو بلغ 18%. هذه ليست أرقاماً ظرفية، بل مؤشرات على واقع هيكلي يصعب تفكيكه.
أما على مستوى الاستثمار، فالصورة أكثر وضوحاً. فقد بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر للإمارات في السعودية 161 مليار ريال بنهاية 2024، ما يجعلها أكبر مصدر لرأس المال الأجنبي إلى المملكة. بعبارة مباشرة: لأبوظبي مصلحة استراتيجية في نجاح الاقتصاد السعودي، وليس في إرباكه أو تعطيله.
العمود الفقري لهذا التشابك يتمثل في اللوجستيات. ميناء جبل علي ليس مجرد منشأة بحرية، بل بوابة حيوية للاقتصاد السعودي. نحو 30% من حركة الحاويات المتجهة إلى المملكة تمر عبره، حاملة مواد البناء والمعدات الصناعية ومكونات الطاقة المتجددة التي تغذي مشاريع “رؤية 2030”. وفي عام 2024، سجّل الميناء 15.5 مليون حاوية نمطية، وهو أعلى مستوى منذ 2015، وكانت السعودية أحد أبرز محركات هذا النشاط.
بعيداً عن الجيوسياسة الثقيلة، يظهر التكامل أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية. مجموعة “لولو” الإماراتية تدير 25 متجراً في السعودية، فيما تقوم “المراعي” السعودية بتوزيع منتجاتها يومياً لمئات آلاف المستهلكين في الإمارات والخليج. أكثر من 4 آلاف علامة تجارية سعودية تعمل في السوق الإماراتية، إلى جانب عشرات المشاريع المشتركة في التجزئة والضيافة والخدمات. هذه ليست شعارات تعاون، بل سلاسل توريد فعلية تربط المجتمعين اقتصادياً واستهلاكياً.
ويمتد هذا الارتباط إلى البنية التحتية الاستراتيجية، كما يظهر في مشاريع الربط الكهربائي الخليجي. المشروع الجديد بقيمة 205 ملايين دولار لمد خط نقل بجهد 400 كيلوفولت بين السعودية والإمارات ليس تفصيلاً تقنياً، بل استثماراً طويل الأمد في أمن الطاقة المشترك، مع توقعات بتجارة طاقة عابرة للحدود بقيمة تصل إلى 20 مليار دولار خلال 15 عاماً.
كل ذلك لا يلغي حقيقة التوترات. الخلاف في اليمن قائم، والتباعد في السودان حقيقي، والاختلاف في التموضع تجاه إسرائيل والنظام الإقليمي واضح. لكن هذه الخلافات تتحرك داخل بنية اقتصادية لا يملك أي من الطرفين رفاهية تدميرها. التكامل الاقتصادي هنا ليس مساراً موازياً للتنافس الاستراتيجي، بل القيد الذي يحدد سقوفه وحدوده.
يمكن للرياض وأبوظبي أن تختلفا، أن تناورا، وأن تتنافسا. لكن ما لا يمكنهما فعله، من دون إلحاق ضرر ذاتي جسيم، هو القطيعة الفعلية. هذه هي القصة التي تغيب عن كثير من المقالات السائدة، وهي، paradoxically، أكثر تعقيداً وإثارة للاهتمام من الروايات المبسّطة عن تحالفات وانشقاقات.