نوري ضدّ نوري

بقلم حازم صاغية
خبّأت إيران نوري المالكي للزمن الصعب، والزمن اليوم صعب. فالعراق يقع ضمن “المدى الحيويّ” الإيرانيّ، جغرافيّاً واقتصاديّاً، و”المدى الحيويّ” (lebensraum) تعبير درّجه هتلر، يعود مجدّداً إلى التداول السياسيّ.
فنوري أثبت أنّه حارس مرمى العراق بوصفه مدىً حيويّاً، ولذلك فهو يؤتَمن في اللحظات الحرجة على ما لا يؤتَمن عليه سواه.
فهو خير مَن يرعى تحوّل البلد ساحة للتفلّت الميليشيويّ والتنازع الأهليّ والتجريف الاقتصاديّ ممّا يناسب طهران، خصوصاً في ظروف كتلك الراهنة. وسيرة نوري تنطوي على CV لامع: فسنةُ 2006، حين تولّى رئاسة الحكومة هي نفسها سنة اندلاع الحرب الأهليّة السنّيّة الشيعيّة التي كان سببها المباشر تفجير المراقد المقدّسة في سامرّاء. لقد دامت تلك الحرب سنتين، قُتل فيها عشرات الآلاف وهُجّر أربعة ملايين. أمّا سنة 2014 التي شهدت استقالته، يوم 14 آب /أغسطس، فهي نفسها التي شهدت استيلاء “داعش” على الموصل وانهيار الجيش الوطنيّ يوم 10 حزيران/يونيو.
بين هذين التاريخين أشرف زعيم “حزب الدعوة” على انتهاج سياسة طائفيّة تراكم الأحقاد وتهيّئها للاشتعال. فإذا أضيف الفساد الفلكيّ الذي اشتدّ عوده حينذاك فهمنا كيف يسير يداً بيد تجويف الدولة وتسميم المجتمع وإطلاق اليد الإيرانيّة في بلاد الرافدين.
وكان نوري قد وصل إلى رئاسة الحكومة بفعل رغبة وقرار أميركيّين، وهذا دون أن ننسى وصوله إلى بلده نفسه، من منفاه السوريّ، بفعل حرب أميركيّة. بيد أنّ طبعه غلب تطبّعه فاصطفّ إلى جانب الأخوة في المذهب والعقيدة.
ولأنّ الاسم بمثيله يُذكَر، خصوصاً متى احتلّ صاحبا الاسم الدور السياسيّ ذاته، فإنّ نوري السعيد سريعاً ما تستحضره الذاكرة بوصفه نقيض نوري المالكي.
فخلال العهد الملكيّ، وتحديداً بين 1932 و1958، تولّى السعيد رئاسة الحكومة أربعة عشر مرّة وغدا أقوى سياسيّي العراق وأشدّهم تأثيراً. لكنّه في حكومته الأولى فعّل معاهدة 1922 جاعلاً العراق البلد العربيّ الأوّل الذي يتخلّص من الانتداب وينضمّ إلى عصبة الأمم متمتّعاً بنصف استقلال. وكان رأيه الذي لم يحد عنه طوال حياته أنّ الاستقلال لا يُنال دفعة واحدة، كما يمكن نيله دون ضريبة العنف والصراع مع الطرف الاستعماريّ الأقوى، وهو هنا بريطانيا. فـ”الأمم”، كما كتب، “لا تُدار بالعواطف فحسب مهما كانت تلك العواطف شريفة، ولا بالسعي وراء المستحيلات، وإنّما بالسعي لتدبير الواقع الممكن”.
وبالطبع ارتكب السعيد أخطاء بحقّ الوطنيّة العراقيّة ربّما كان أبرزها ربطه أوضاع اليهود العراقيّين بالصراع مع إسرائيل، وما نجم عن سياسته تلك من حرمانهم جنسيّتهم العراقيّة في 1950. لكنّه كان، بطريقته، وطنيّاً عراقيّاً، لا “عميلاً لبريطانيا” وفق ما عمّمته لاحقاً الناصريّة وتوابعها. فحين أمّم محمّد مصدّق النفط في إيران، عام 1951، وجد الفرصة سانحة لتعديل التوازن في العلاقة ببريطانيا. هكذا نجح، بعد عام، في عقد اتّفاقيّة جديدة تقضي بانتصاف الأرباح، بعدما كانت حصّة العراق من العوائد النفطيّة تقلّ عن الثُمن.
وهو كان يختار لبلده الطرق الأبعد عن التورّط في النزاعات الكبرى المصحوبة بالإيديولوجيّات القصوى. ومدفوعاً بقناعاته هذه ناوأَ المناخَ العامّ المؤيّد للنازيّين الذي عصف بالعالم العربيّ، وخصوصاً بالعراق. فهو رأى دائماً أنّ مصلحة بلاده تكمن في العلاقة ببريطانيا، وفي تلبية هذه المصلحة عبر العلاقة بها، على ما علّمته تجربتا 1932 و1952. وحين حاولت الناصريّة بعد حرب 1956 جرّ العرب إلى الصدام بالغرب، اعترض السعيد في بغداد ورأى أنّ التضامن مع مصر ضدّ العدوان ينبغي ألاّ يقود إلى عدوان ضدّ النفس والمصالح الذاتيّة. هكذا قُتل نوري بعد انقلاب 1958 بطريقة لا تفوقها همجيّة إلاّ مجزرة قصر الرحاب التي أودت بالعائلة المَلكيّة.
وعلى عكس المالكي في علاقته بالطرف الذي أوصله إلى بغداد ثمّ إلى الزعامة، ظلّ السعيد حادّ الإدراك لضرورة الإبقاء على علاقة طيّبة ببريطانيا التي لولاها لما أُخرج الجيش العثمانيّ من دمشق، ولما حلّ فيصل الأوّل ملكاً في بغداد، ولما صار نوري ما صاره.
وهذا ليس حبّاً أعمى ببريطانيا، ولا هو من قبيل “الوفاء” كما تشيعه الثقافة التقليديّة، بل هو إدراك لحقيقة أنّ إضعاف العلاقة بها يضرّ بالعراق قبل إضراره بالبريطانيّين، ويفتح الباب لخليط من عسكريّين ومستبدّين وساسة تابعين لعواصم خارجيّة لا تملك ما تقدّمه للعراق لكنّها تملك الرغبة في اعتصاره. وهذا ناهيك عن التفكير بعلاقات دوليّة يمكنها أن تكون تكامليّة، ولا تكون محكومة حتميّاً بالتناحر والبغضاء.
والحال أنّ الانتقال من نوري الأوّل إلى نوري الثاني ينمّ عن حجم الانتكاس الذي مني به ذاك البلد بعد عدد من الانقلابات والأنظمة الطغيانيّة والحروب والمقاومات، ممّا توّجَهُ قيام نظام مجاور يستنهض أسوأ ما في جاره الصغير ويبني عليه.
وهو انتكاس ظافر وانتصاريّ بدليل أنّ نوري المالكي يُرشّح اليوم لرئاسة الحكومة كرمز لسيادة العراق، لمجرّد أنّ أميركا ترفض ترشيحه، فيما لا يزال يُرسَم نوري السعيد خائناً لتلك السيادة بدليل صداقته لبريطانيا.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram