كشف تقرير دبلوماسي أعد في دوائر تعمل على خط المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أن الجمهورية الإسلامية
لا تبدو اليوم على مسار ضربة عسكرية وشيكة، لكنها في المقابل لم تخرج من دائرة الاستهداف. فما يجري هو انتقال واضح إلى مرحلة ضغط مركّب طويل النفس، حيث لا تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى توقيت سريع، بل إلى نافذة إنهاك محسوبة تسبق أي خيار عسكري مباشر، إن تقرر الذهاب إليه. هذا التموضع لا يعكس تراجعًا في النوايا بقدر ما يعكس تغييرًا في الأدوات، إذ يجري استبدال منطق الضربة الكبرى بسياسة إدارة الصراع واستنزاف الخصم على مراحل.
على المستوى العسكري، أورد التقرير أن طهران ما زالت متمسكة بعقيدتها الردعية ولم تقدم أي إشارات تراجع جوهرية، لكنها في الوقت نفسه تتجنب القفز نحو تصعيد واسع قد يفرض ردًا مباشرًا عليها. قواعد الاشتباك ما زالت مضبوطة ضمن هامش “الضربات المحسوبة”، ما ينتج توازن ردع هشًا لكنه قائم. هذا التوازن لا يمنح طمأنينة كاملة لأي طرف، لكنه يمنع الانزلاق السريع نحو مواجهة شاملة.
سياسيًا، تدرك القيادة الإيرانية أن أي تصعيد كبير قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية واسعة، أو يدفع باتجاه بناء تحالف دولي أوسع ضدها. من هنا، تفضّل طهران إدارة التوتر بدل تفجيره، واللعب على حافة الهاوية دون السقوط فيها، عبر سياسة تقوم على الامتصاص والمناورة لا المواجهة المفتوحة. هذه المقاربة تسمح لها بالحفاظ على هامش حركة، لكنها تضعها في حالة استنزاف دائم.
أما اقتصاديًا، فرغم استمرار العقوبات، لم تعد هذه الأداة قادرة على إحداث صدمة انهيارية. الاقتصاد الإيراني انتقل إلى نمط “التكيّف تحت الضغط”: لا نمو حقيقي ولا انهيار شامل، بل استنزاف تراكمي طويل الأمد يراكم الأعباء الاجتماعية والمالية دون أن يكسر الدولة دفعة واحدة. إنها حالة إنهاك بطيء، تتآكل فيها القدرة على المناورة مع مرور الوقت.
وأشار التقرير إلى أن غياب الضربة العسكرية لا يعني غياب القرار، بل يعكس حسابات توقيت دقيقة. فالفرصة التي رافقت موجات الاحتجاج الداخلي لم تُستثمر في لحظتها، ما أفقد خيار الضربة غطاءً سياسيًا ومعنويًا كان يمكن البناء عليه. إضافة إلى ذلك، لا ترى واشنطن نفسها ملزمة بتوقيت سريع، إذ تعتبر أن إدارة الملف الإيراني لا تتطلب استعجالًا طالما أن أدوات الضغط الأخرى لا تزال فاعلة. يضاف إلى ذلك تزاحم الأولويات الأميركية، من غزة والبحر الأحمر إلى أوكرانيا والاستحقاق الانتخابي الداخلي، ما يجعل إيران ملفًا مؤجّلًا قيد الإدارة لا أولوية عاجلة.
في العمق، يجري إعادة تعريف الهدف. لم يعد إسقاط النظام الإيراني مطروحًا كخيار عملي، بل يجري التركيز على تحجيم الدور الإقليمي، وضبط السلوك النووي، واستنزاف شبكة الوكلاء. ضمن هذا الإطار، يتم نقل الضغط من المركز إلى الأطراف، عبر استنزاف أذرع إيران في غزة ولبنان وسوريا والعراق والبحر الأحمر. الرسالة واضحة: لا حاجة لضرب إيران مباشرة طالما يمكن إضعاف محيطها الاستراتيجي وتقليص هامش حركتها الإقليمية.
في موازاة ذلك، يُستخدم الوقت كسلاح بحد ذاته. لا تصعيد كبير يفرض حسمًا، ولا انفراج يسمح بالتقاط الأنفاس، ولا صفقة كبرى تخرج إيران من دائرة الانتظار. النتيجة إبقاؤها في حالة ترقّب مكلفة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، حيث يتحول الزمن نفسه إلى أداة ضغط.
وكشف التقرير أنه وحتى منتصف عام 2026، سيبقى السيناريو الأرجح هو استمرار هذا المسار: ضغط متواصل دون ضربة شاملة، من خلال ضربات موضعية، وعقوبات أكثر انتقائية، وتحجيم تدريجي للنفوذ الإقليمي. إلى جانب ذلك، يظل احتمال التوصل إلى تفاهم محدود أو صفقة جزئية قائمًا، غالبًا في الملف النووي مقابل تخفيف نسبي للضغط، من دون أي اعتراف بالدور الإقليمي الإيراني. أما الخيار العسكري المباشر، فلا يتحقق إلا إذا كُسر توازن الردع أو جرى تجاوز خط أحمر واضح، وهو احتمال لا يزال منخفضًا في المرحلة الراهنة.
في المحصلة، إيران ليست في لحظة سقوط، كما أنها ليست في لحظة انتصار. هي في نفق استنزاف طويل تُدار فيه المواجهة بأدوات باردة وحسابات دقيقة. أما الضربة، إن جاءت، فلن تكون انفعالية ولا ردّ فعل، بل نتيجة قرار محسوب وفي توقيت يخدم واشنطن أولًا، لا طهران