في المشهد التلفزيوني، سجالاتٌ إلى حدّ الاستعراض، وفي مضمون الكلمات رتابةٌ قاتلة وغيابٌ شبه كامل للرؤية. وإذا أردنا ألّا نظلم الغالبية من نواب لبنان، فإن إدانتهم تنحصر بين الكسل، وقلة الإبداع، وغياب الخيال والتخطيط. قلّةٌ فقط كانت في الجلسة العامة على قدر المسؤولية في ما تلوه من كلمات معدّة سلفاً، فبدت مختلفة في الشكل والمضمون، وخرجت عن المألوف العقيم.
ليس النقاش هنا في المسألة السيادية، على أهميتها وأولويتها التي باتت تطغى على كل ما عداها، بل في دور السلطة التشريعية في الرقابة والتخطيط، وفي قدرتها على إنتاج رؤية اقتصادية متكاملة لبلد غنيّ بالموارد، مهدور الثروات، دفع أثمان الفشل والفساد وسوء الإدارة على مدى عقود.
من يتمعّن في كلمة النائب نعمة افرام، ينجذب إلى مجموعة أفكار عملية طُرحت من خارج الصندوق التقليدي للحلول، بعيداً عن الشعارات، وقريبة من جوهر الأزمة ومخارجها الواقعية.
أولى هذه الأفكار، الإقرار بوجود تحسّن نسبي في الوضع المالي للدولة، مع الانتقال من موازنة لا تتجاوز قيمتها مليار دولار قبل أربع سنوات إلى موازنة تقارب ستة مليارات اليوم. هذا المسار، وإن كان لا يعني التعافي الكامل، إلا أنه يضع لبنان في منتصف الطريق اقتصادياً، ويؤكد أن الانهيار ليس قدراً نهائياً إذا توافرت السياسات الصحيحة.
أما المعركة الاقتصادية الأساسية، فليست في رفع الضرائب أو تحميل المواطن أعباء إضافية، بل في تقليص حجم الاقتصاد الأسود وتوسيع الاقتصاد الأبيض المنتج والخاضع للضريبة. من هنا، تأتي أهمية ضبط التهريب على المعابر والمطار والحدود، وتحقيق موازنة بلا عجز، مع الدعوة إلى تحويل عدم تسجيل العجز إلى قاعدة ملزمة في إعداد الموازنات، لا إلى استثناء ظرفي.
نعم الحرب على الاقتصاد الأسود هو المدخل لعودة الانتظام المالي والنمصرفي والاقتصادي.
وفي مقاربة تصطدم بالخطاب الشعبوي السائد، يرفض افرام فكرة الاستثمار الحكومي المباشر، معتبراً أن غياب الاستثمارات عن الموازنة ليس نقصاً بل خطوة إيجابية. فالدولة اللبنانية، بحسب التجربة، كانت أسوأ مستثمر وربّ عمل، وهي المسؤولة عن انهيارات قطاعات حيوية من الكهرباء إلى الاتصالات. البديل الواقعي، هو الشراكة مع القطاع الخاص عبر صيغ BOT وPPP، بما يسمح بجذب رؤوس الأموال إلى البنى التحتية من دون تحميل الخزينة أعباء إضافية.
هل يعرف اللبنانيون أن هذه الآلية اذا اعتمدت تجدد بنيتهم التحتية كلها بكلفة صفر على الدولة وبكلفة أقل على المواطن وبجودة استثنائية في جميع المرافق؟
لكن الاستثمار، كما يؤكد افرام، لا يأتي بقرارات أو أمنيات، بل بالثقة. رأس المال بطبيعته جبان، ولا يدخل بلداً مهتزّاً سياسياً وقانونياً. لذلك، يجب أن تكون الاستثمارات مؤشراً على استعادة ثقة المجتمع الدولي بلبنان، لا مجرّد أرقام في جداول رسمية.
وفي هذا الإطار، يبرز اقتراح “هتاد”، أي هيئة تثمير أصول الدولة، كأحد الأفكار غير التقليدية. الفكرة تقوم على تشغيل القطاعات النائمة وتنظيمها وتطويرها عبر شراكات مؤقتة مع القطاع الخاص، تُدار بالأمانة لسنوات محدّدة، قبل أن تعود الأصول إلى الدولة، بما يوفّر إيرادات وفرص عمل ويحدّ من الهدر.نعم استثمار أصول الدولة وليس نهبها أو بيعها خردة.
غير أن جوهر البعد الاجتماعي في كلمة افرام يتجلّى في مقاربته لملف تعويضات نهاية الخدمة، التي يضعها في مصاف الودائع من حيث الأهمية والخطورة. فالتغاضي عن هذا الملف، في القطاعين العام والخاص، يعني ترك آلاف المتقاعدين لمصير الفقر، برواتب تقاعدية لا تتجاوز بضع مئات من الدولارات، بعد عقود من الخدمة.
الكارثة الأكبر تظهر في القطاع الخاص، حيث ضاع ما يقارب 12 مليار دولار من أموال تعويضات نهاية الخدمة، وتبخّرت أربعون سنة من العمل، من دون أي نظام تقاعدي لائق. الأسوأ أن الغالبية الساحقة من أرباب العمل لا تعوّض عمّالها عن هذه الخسائر، فيما تُهدَّد الشركات الملتزمة التي تصرّح عن أرباحها وتدفع حقوق موظفيها بالإفلاس إذا احتسبت مؤونات هذه الخسائر، ما يخلق ظلماً مزدوجاً ويكافئ المخالفين.
سياسياً، يلفت افرام إلى مؤشرات خجولة لاستعادة الثقة الدولية، مشيداً بمواقف الحكومة الإصلاحية وتعاطيها مع المجتمع الدولي، رغم البطء والتراجع الجزئي، محذّراً من أن تتحوّل خطوات التقدّم إلى خطوات إلى الوراء.
أما في ملف الانتخابات النيابية، فيشخّص أزمة قانونية خطيرة: قانون نافذ غير قابل للتطبيق، وقانون قابل للتطبيق غير نافذ. والنتيجة الحتمية، إمّا تأجيل تقني لإتاحة تسجيل المنتشرين، أو الذهاب نحو قانون جديد قد يفتح الباب أمام تمديد طويل وغير تقني.
إن ربط الإصلاح الحقيقي بإعادة بناء النظام السياسي نفسه، عبر مجلس نواب فعّال ومجلس شيوخ، مع اقتراح انتخاب مجلسين في وقت واحد، أحدهما على أساس طائفي والآخر على أساس غير طائفي، هو المدخل لإعادة التوازن إلى الحياة السياسية والدستورية.هذا حل لا يعتمد الشخصنة ولا المهدئات ويقاوم الألغام الطائفية المزمنة.
ما أحوج لبنان إلى من يفكّر ويحلم، ومن لديه العزيمة لتحقيق الأهداف.