لا تأتي زيارة وزير الدولة القطري الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي إلى بيروت كحدث بروتوكولي عابر. لبنان اليوم على حافة الخيارات الصعبة: جنوب تحت القصف، دولة منهكة وشعب يعيش على الحد الأدنى من أبسط الخدمات. في هذا الوقت، الدوحة تحركت بالفعل لا بالكلام. حزمة دعم ومشاريع غير مشروطة تتجاوز 480 مليون دولار وضعت على الطاولة ضمن قنوات الدولة ومؤسساتها. لكن المال وحده لا يكفي.
في الكهرباء، قدمت قطر منحة بقيمة 40 مليون دولار ومشروع دعم للقطاع بقيمة 360 مليون دولار يستفيد منه نحو مليون ونصف مليون لبناني. الخطة موجودة لكن نجاحها مرهون بتراخيص تمنح في وقتها وإدارة تحمي المشروع من العرقلة القديمة.
في التعليم، 185 منحة جامعية على مدى ثلاث سنوات. استثمار مباشر في شباب باتت الهجرة خيارهم الوحيد .وفي الصحة إعادة بناء مستشفى الكرنتينا الذي سقط مع سقوط المرفأ.
في ملف النزوح، برنامج عودة طوعية وآمنة لنحو 100 ألف نازح سوري في مرحلته الأولى بتمويل 20 مليون دولار يوفر لهم مسكنا وطعاما ودواء لمدة ثلاثة اشهر بعد العودة لضمان استقرارهم ومساعدتهم على الاندماج مجددا في وطنهم. التعافي هنا لا يبدأ من المثالي بل من الممكن .
أما الجيش اللبناني، فقد أكد الخليفي استمرار دعم قطر لهذه المؤسسة الحيوية سواء عبر رواتب العسكريين، تأمين المحروقات أو توريد 162 آلية عسكرية مشددًا على أن الجيش يشكل ركيزة أساسية لأمن واستقرار لبنان.
زيارة الخليفي ليست مجرد طقس ديبلوماسي بل اعلان ان هناك من لا يزال مستعدا للعمل مع الدولة اللبنانية كما هي لا كما يراد لها ان تكون. في زمن الفراغ السياسي، الواقعية هي الجرأة والاختيار الأكثر صدقا.
سياسيا، تتحرك قطر ضمن إطار الخماسية الدولية: سيادة لبنان، وحدة أراضيه وتثبيت الاستقرار بالتوازي مع رفض الاعتداءات الإسرائيلية التي تستنزف البلاد.
وحين تقول الدوحة إن وقت التعافي قد حان فهي لا تطلق شعارا بل تحدد لحظة حقيقية وتنتظر تصرف دولة قادرة على ادارة ما يقدم لها.
قطر لا تأتي لتطلب من لبنان أن يكون ما ليس عليه. هي تتعاطى معه كما هو متعبا لكنه ما زال قادرا إذا قرر. الدوحة تضع الدعم حيث يجب أن يكون وتترك للدولة أن تفعل ما عليها.
والسؤال، هل يستطيع اللبناني الذي ينتظر الكهرباء والدواء ومدرسة لأولاده أن ينتظر أكثر مما انتظر فيما الفرصة هذه المرة تقف أمامه بوضوح؟
ما يختبر اليوم ليس نيات الدوحة بل جدية بيروت لأننا في بلد ينتظر أهله الكهرباء كما ينتظرون الأخبار السيئة. لا يكفي أن يصل الدعم المهم أن يستعمل وان يتحول الى فعل يلامس حياة الناس. اللبناني لم يعد يطلب الكثير… فقط الا يهدر ما يقدم له.