مئات العائلات محكوم عليها بالموت


على رغم كل التنبيهات المتكررة، لا تزال الدولة غائبة كليًا عن طرابلس، مدينةً وأهلًا، وكأن ما يجري فيها قدرٌ لا يستحق التدخل. الأخطر أن أثرياء المدينة، ولا سيما السياسيين منهم، يصمّون آذانهم عن نداءات متكررة لوقف مأساة الأبنية المتصدعة الآيلة للسقوط، وكأن الأرواح المهددة ليست من لحمهم ودمهم.
في طرابلس اليوم، أكثر من مئة مبنى مصنّف على لوائح الخطر، يمكن أن ينهار الواحد منها تلو الآخر على رؤوس ساكنيه في أي لحظة. عائلات بأكملها تعيش فوق الموت، تنام على قلق الاستيقاظ تحت الركام، فيما بيانات التحذير تبقى حبرًا على ورق، واللجان والتقارير تتراكم من دون أي قرار تنفيذي. لا خطط إخلاء، لا مساكن بديلة، ولا حتى إجراءات إسعافية تقلل من حجم الكارثة المنتظرة.
هذه المأساة ليست وليدة اليوم. فقد سبق أن طُرح حل عملي وجدي، حين دعا النائب أشرف ريفي إلى البدء بتمويل إعمار مبانٍ سكنية جديدة على أرض تملكها دار الفتوى، بما يسمح بإخلاء السكان من الأبنية المهددة ونقلهم إلى مساكن آمنة تحفظ كرامتهم وحقوقهم. لكن الطرح، كغيره من المبادرات، ذهب أدراج الرياح، واصطدم بجدار الإهمال والتجاذب السياسي وانعدام الإرادة.
المشكلة اليوم لم تعد تقنية ولا مالية فقط، بل أخلاقية بامتياز. فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها من الموت المحقق، تفقد جوهر وجودها. والسياسي الذي يعرف حجم الخطر ويصمت، شريك في الجريمة بصمته.
إن لم تُخصص الدولة فورًا مشروعًا متكاملًا لإفراغ المباني المهددة، وتأمين إيواء لائق للسكان، والبدء ببناء وحدات سكنية بديلة ضمن خطة شفافة ومحددة زمنياً، فإن الكارثة ستتكرر، وربما بأعداد ضحايا أكبر. وحينها، لن تنفع بيانات التعزية ولا الوعود المتأخرة، لأن الموت في طرابلس بات أسرع من الدولة نفسها.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram